وبالجملة من لوازم الإيمان الصحيح أن يعتقد أن الكائنات كلها ما كان وما هو كائن، جوهرًا وعرضًا، فعلًا وقولًا، معصية وطاعة، خيرًا وشرًا، كان في أزل الأزل في علمه، لم يزد ولم ينقص عن ذلك شيء قَلَّ ولا جَلَّ (١).
قوله:"علمه شامل".
أقول: ويجب الإيمان بأن له علمًا قديمًا لا يشبه علم المخلوقين. والدليل -على كونه عالمًا-: إتقان أفعاله، وإحكامها (٢).
(١) راجع: المحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٠٦، وتشنيف المسامع: ق (١٥١/ ب - ١٥٢/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٥٩/ ب - ١٦٠/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٤٤. (٢) مذهب أهل الحق، والإيمان، وجمهور العقلاء أن علم اللَّه شامل لكل معلوم ممكننا كان، أو ممتنعًا، فهو لِعلم الجزئيات، والكليات، كما أخبر بذلك في آيات كثيرة من كتابه العزيز منها قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: ١٢]، وقوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: ٥٩]، وعلى هذا أطبق المسلمون، وأنه تعالى يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء جملة وتفصيلًا، وكيف لا؟ وهو خالقها {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: ١٤] وقد ضلت الفلاسفة بقولهم: اللَّه تعالى يعلم الجزئيات على الوجه الكلي لا الجزئي، لأنه لو علمها على الوجه الجزئي لتغير علمه، فإن الجزئيات تتغير بتغير الأزمنة والأحوال، والعلم تابع للمعلوم، فيلزم تغير علمه، والعلم قائم بذاته، فيكون محلًا للحوادث، وهو محال. والتزمت الكرامية أن الباري تعالى محل للحوادث، وظنوا أنه لا يتم إثبات العلم مطلقًا إلا بذلك، ففروا من ضلالة إلى ضلالة، وهي شبه باطلة قد ردها أهل الحق، وأبطلوها، وسيأتي رد الشارح عليها. =