للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله: "لم يزل وحده".

أقول: قد سبق أنه تعالى قديم، والعالم محدث، وإذا ثبت ذلك، فعلم أنه كان، ولم يكن معه شيء، إذ ما سواه حادث، فلا زمان معه في الأزل، ولا مكان، وإنما ذكره هنا توطئة لمسألة القدرة، والاختيار، أي: إنما أنشأ المحدث بقدرته (١)، ومشيئته لا أنه موجب بالذات، وعلة على ما عليه الفلاسفة.

والدليل -على أنه خلقه بالقدرة-: أنه لو كان بالإيجاب لزم قدم العالم، لأن المعلول لا ينفك عن علته، أو يكون كل حادث مسبوقًا، ومشروطًا بآخر إلى غير النهاية وكلاهما باطل. ولأن اختصاص كل جسم بشكل، ولون، وطعم، ورائحة، وغير ذلك لا بد وأن يكون لمخصص، وذلك هو القدرة، والإرادة لتشارك الأجسام، وتماثلها.

ولأن العالم لو كان معلولًا لذاته كان لازمًا لها، فلو فرض ارتفاع العالم لزم ارتفاعه تعالى، لأن انتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم، لكن ارتفاع الواجب تعالى محال، لأن ذاته تقتضى وجوده، وما اقتضى ذاته وجوده استحال زواله.

قالوا: لو كان مختارًا في فعله لزم الانقلاب، لأنه في الأزل إن علم عدم وجود العالم، فهو ممتنع الوجود وقد وجد، فانقلب الممتنع ممكنًا.


(١) راجع: مجموع الفتاوى: ٨/ ٧ - ١١، ٣٨٣، ومنهاج السنة: ٢/ ١١٨ - ١٢٢، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٤٠٦، وتشنيف المسامع: ق (١٥١/ أ)، والغيث الهامع: ق (١٥٩/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ ٤٤٤، والقائد إلى تصحيح العقائد: ٢/ ٢٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>