عِبَارَةُ بَعْضِ النَّاقِلِينَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَذِبًا، فَلَقُوهُمْ فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: دِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: دِمَاؤُهُمْ حَرَامٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: هُمْ نَاسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيِّ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ وَأَعْلَنُوا الْإِيمَانَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَوَلَّاهُمْ نَاسٌ وَتَبَرَّأَ مِنْ وِلَايَتِهِمْ آخَرُونَ، وَقَالُوا: تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُهَاجِرُوا فَسَمَّاهُمُ اللهُ مُنَافِقِينَ، وَبَرَّأَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ وَأَمَرَهُمْ أَلَّا يَتَوَلَّوْهُمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ رِوَايَاتِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُنَافِقِينَ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ وَأَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْهَا مُعْتَذِرِينَ بِالْمَرَضِ وَالتُّخَمَةَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْإِفْكِ، ثُمَّ رَجَّحَ قَوْلَ مَنْ قَالُوا: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ مَكَّةَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ لِذِكْرِ الْهِجْرَةِ فِي الْآيَةِ.
وَمِنَ الْمَعْهُودِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي مِثْلِ هَذَا بِتَعَدُّدِ الْوَقَائِعِ وَنُزُولِ الْآيَةِ عَقِبَهَا، وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَقَائِعِ تَرَاخٍ وَزَمَنٌ طَوِيلٌ، وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمِلَهَا كُلٌّ عَلَى وَاقِعَةٍ يَرَى أَنَّهَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ التَّفْسِيرِ لَا التَّارِيخِ، وَلَكِنَّ مِنَ الرِّوَايَاتِ مَا يَكُونُ نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا فِي التَّارِيخِ وَتَعْيِينِ الْوَاقِعَةِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ مَنْقُولَةً بِالْمَعْنَى كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الرِّوَايَةُ فِي سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ فَهْمٍ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ فِي الْآيَةِ وَرَأَيٌ فِي تَفْسِيرِهَا يُخْطِئُ فِيهِ وَيُصِيبُ، وَلَا يُلْزِمُ أَحَدًا أَنْ يَتْبَعَهُ فِيهِ، بَلْ لِمَنْ ظَهَرَ لَهُ خَطَؤُهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْ مَعْنَى الْآيَاتِ يَأْبَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَدَّ رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي جَعْلِ الْمُرَادِ بِالْمُنَافِقِينَ هُنَا فِئَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنِ اِلْقِتَالِ فِي أُحُدٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَأَيْتَ مِنْ ذِكْرِ الْمُهَاجِرَةِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ هَذَا
اللَّفْظِ بِمَا تَرَاهُ، وَأَقْوَى مِنْهُ فِي رَدِّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمَا دُونَهَا فِي قُوَّةِ السَّنَدِ مِنْ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ - أَيِ الَّتِي جَعَلَتِ الْآيَةَ فِي مُنَافِقِي الْمَدِينَةِ - أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لَمْ يَعْمَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا فِي أَحَدٍ مِمَّنْ قَالُوا إِنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهُوَ قَتْلُهُمْ حَيْثُمَا وُجِدُوا بِشَرْطِهِ، وَهَذِهِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ صَدِّ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ السَّنَدِ عَنِ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنَ الْآيَاتِ بِلَا تَكَلُّفٍ، وَرَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أُنَاسٍ كَانُوا بِمَكَّةَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ خِدَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَيَنْصُرُونَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِي الْوَلَاءِ وَالْمُخَالَفَةِ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ فِي الدَّرْسِ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.