سَيِّئَةٌ، ثُمَّ جَزَمَ الرَّازِيُّ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْجِهَادِ، فَلَا يَجُوزُ قَصْرُهَا عَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي مَعْنَاهَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الَّذِي لَا يُنَافِيهِ خُصُوصُ السَّبَبِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى الْجَلَالِ وَغَيْرِهِ حَمْلَ الشَّفَاعَةِ عَلَى مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فِي شُئُونِهِمُ الْخَاصَّةِ مِنَ الْمَعَايِشِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ يَذْهَبُ بِمَا فِي الْآيَةِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْحَرَارَةِ وَيُخْرِجُهَا مِنَ السِّيَاقِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَعَمُّ فَالْمَقْصُودُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ
الشَّفَاعَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَرْبِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْآيَاتِ فِي الْمُبْطِئِينَ عَنِ الْقِتَالِ، وَالَّذِينَ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى اللهُ - تَعَالَى - مِنْ خِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْ ذَلِكَ ضُرُوبُ الِاعْتِذَارِ الَّتِي كَانُوا يَعْتَذِرُونَ بِهَا، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الِاعْتِذَارُ بِوَاسِطَةِ بَعْضِ النَّاسِ الَّذِينَ يُرْجَى السَّمَاعُ لَهُمْ وَالْقَبُولُ مِنْهُمْ، وَهُوَ عَيْنُ الشَّفَاعَةِ، اهـ.
ثُمَّ أَقُولُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ شَفَاعَةَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ تَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَأَنَّهَا قِسْمَانِ: حَسَنَةٌ وَسَيِّئَةٌ، فَالْحَسَنَةُ أَنْ يَشْفَعَ الشَّافِعُ لِإِزَالَةِ ضَرَرٍ وَرَفْعِ مَظْلَمَةٍ عَنْ مَظْلُومٍ أَوْ جَرِّ مَنْفَعَةٍ إِلَى مُسْتَحِقٍّ، لَيْسَ فِي جَرِّهَا إِلَيْهِ ضَرَرٌ وَلَا ضِرَارٌ، وَالسَّيِّئَةُ أَنْ يَشْفَعَ فِي إِسْقَاطِ حَدٍّ، أَوْ هَضْمِ حَقٍّ، أَوْ إِعْطَائِهِ لِغَيْرِ مُسْتَحَقٍّ، أَوْ مُحَابَاةٍ فِي عَمَلٍ، بِمَا يَجُرُّ إِلَى الْخَلَلِ وَالزَّلَلِ، وَالضَّابِطُ الْعَامُّ أَنَّ الشَّفَاعَةَ الْحَسَنَةَ هِيَ مَا كَانَتْ فِيمَا اسْتَحْسَنَهُ الشَّرْعُ، وَالسَّيِّئَةُ فِيمَا كَرِهَهُ أَوْ حَرَّمَهُ.
وَمِنَ الْعِبْرَةِ فِي الْآيَةِ أَنْ نَتَذَكَّرَ بِهَا أَنَّ الْحَاكِمَ الْعَادِلَ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِعْلَامِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ مَظْلَمَةِ الْمَشْفُوعِ لَهُ أَوِ اسْتِحْقَاقِهِ لِمَا يَطْلُبُ لَهُ، وَلَا يَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ لِأَجْلِ إِرْضَاءِ الشَّافِعِ فِيمَا يُخَالِفُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ وَيُنَافِي الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ الْمُسْتَبِدُّ الظَّالِمُ فَهُوَ الَّذِي تَرُوجُ عِنْدَهُ الشَّفَاعَاتُ ; لِأَنَّهُ يُحَابِي أَعْوَانَهُ الْمُقَرَّبِينَ مِنْهُ لِيَكُونُوا شُرَكَاءَ لَهُ فِي اسْتِبْدَادِهِ، فَيَثِقُ بِثَبَاتِهِمْ عَلَى خِدْمَتِهِ وَإِخْلَاصِهِمْ لَهُ، وَمَا الذِّئَابُ الضَّارِيَةُ بِأَفْتَكَ مِنَ الْغَنَمِ مِنْ فَتْكِ الشَّفَاعَاتِ فِي إِفْسَادِ الْحُكُومَاتِ وَالدُّوَلِ، فَإِنَّ الْحُكُومَةَ الَّتِي تَرُوجُ فِيهَا الشَّفَاعَاتُ يَعْتَمِدُ التَّابِعُونَ لَهَا عَلَى الشَّفَاعَةِ فِي كُلِّ مَا يَطْلُبُونَ مِنْهَا لَا عَلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فَتَضِيعُ فِيهَا الْحُقُوقُ، وَيَحُلُّ الظُّلْمُ مَحَلَّ الْعَدْلِ، وَيَسْرِي ذَلِكَ مِنَ الدَّوْلَةِ إِلَى الْأُمَّةِ فَيَكُونُ الْفَسَادُ عَامًّا.
وَقَدْ نَشَأْنَا فِي بِلَادٍ هَذِهِ حَالُ أَهْلِهَا وَحَالُ حُكُومَتِهِمْ، يَعْتَقِدُ الْجَمَاهِيرُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى قَضَاءِ مَصْلَحَةٍ فِي الْحُكُومَةِ إِلَّا بِالشَّفَاعَةِ أَوِ الرِّشْوَةِ، وَلَا يَقُومُ عِنْدَنَا دَلِيلٌ عَلَى صَلَاحِ حُكُومَتِنَا إِلَّا إِذَا زَالَ هَذَا الِاعْتِقَادُ، وَصَارَتِ الشَّفَاعَةُ مِنَ الْوَسَائِلِ الَّتِي لَا يَلْجَأُ إِلَيْهَا إِلَّا أَصْحَابُ الْحَقِّ بَعْدَ طَلَبِهِ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِهِ، وَظُهُورُ الْحَاجَةِ إِلَى شَفِيعٍ يَظْهَرُ لِلْحَاكِمِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.