وَالْحُكْمُ بِالْعَدْلِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعِظُكُمْ إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ وَفَلَاحُكُمْ مَا عَمِلْتُمْ بِهِ مُهْتَدِينَ مُتَّعِظِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِكُمْ وَلَا مِنْ أَفْعَالِكُمْ، وَلَا مِنْ نِيَّاتِكُمْ، فَلَا تَدَّعُوا مَا لَيْسَ فِيكُمْ مِنَ الْأَمَانَةِ وَالْعَدْلِ وَلَا تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ; فَإِنَّهُ سَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِمَا عَمِلَ.
أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِرَدِّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَبِالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ مُخَاطِبًا بِذَلِكَ جُمْهُورَ الْأُمَّةِ، وَلَمَّا كَانَ يَدْخُلُ فِي رَدِّ الْأَمَانَاتِ تَوْسِيدُ الْأُمَّةِ أَمَرَّ الْأَحْكَامَ إِلَى أَهْلِهَا الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ بِأَعْبَائِهَا، وَكَانَ يَجِبُ فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ مُرَاعَاةُ مَا جَاءَ عَنِ اللهِ تَعَالَى
وَعَنْ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمَا يَتَجَدَّدُ لِلْأُمَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي مُنَاسَبَةِ الِاتِّصَالِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا قَبْلَهَا وَرَدَتَا فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ: إِنَّ الْكَافِرِينَ أَهْدَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْدَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَمِنَ الطَّاغُوتِ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ الْأَصْنَامُ وَالْكُهَّانُ، فَكَانُوا يُحَكِّمُونَ الْكَاهِنَ، وَيَجْعَلُونَهُ شَارِعًا وَيَقْتَسِمُونَ عِنْدَ الصَّنَمِ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ فَصْلًا فِي الْخُصُومَةِ.
وَقَدِ اتَّخَذَ الْيَهُودُ الْجِبْتَ وَالطَّاغُوتَ مِثْلَهُمْ، وَطَوَاغِيتُهُمْ رُؤَسَاؤُهُمُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ فِيهِمْ بِأَهْوَائِهِمْ فَيَتَّبِعُونَهُمْ كَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، مَعَ أَنَّ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةَ فِيهَا حُكْمُ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الرُّؤَسَاءَ أَعْلَمُ مِنَّا بِالتَّوْرَاةِ وَبِمَصْلَحَتِنَا، فَاللهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا حَالَهُمْ وَقَرَنَهُ بِبَيَانِ مَا يَجِبُ أَنْ نَسِيرَ عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْأَحْكَامِ، حَتَّى لَا نَضِلَّ كَمَا ضَلَّ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَفْرَادًا مِنْهُمْ أَرْبَابًا إِذْ جَعَلُوهُمْ شَارِعِينَ فَكَانُوا سَبَبَ طُغْيَانِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ سُمُّوا طَوَاغِيتَ.
ثُمَّ قَالَ: أَمَرَ بِطَاعَةِ اللهِ وَهِيَ الْعَمَلُ بِكِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَبِطَاعَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ أَعَادَ لَفْظَ الطَّاعَةِ لِتَأْكِيدِ طَاعَةِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ دِينُ تَوْحِيدٍ مَحْضٍ لَا يَجْعَلُ لِغَيْرِ اللهِ أَمْرًا، وَلَا نَهْيًا، وَلَا تَشْرِيعًا، وَلَا تَأْثِيرًا، فَكَانَ رُبَّمَا يُسْتَغْرَبُ فِي كِتَابِهِ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ غَيْرِ وَحْيِ اللهِ، وَلَكِنْ قَضَتْ سُنَّةُ اللهِ بِأَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ شَرْعَهُ لِلنَّاسِ رُسُلٌ مِنْهُمْ وَتَكَلَّفَ بِعِصْمَتِهِمْ فِي التَّبْلِيغِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُطَاعُوا فِيمَا يُبَيِّنُونَ بِهِ الدِّينَ وَالشَّرْعَ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي شَرَعَ لَنَا عِبَادَةَ الصَّلَاةِ، وَأَمَرَنَا بِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا فِي الْكِتَابِ كَيْفِيَّتَهَا وَعَدَدَ رَكَعَاتِهَا، وَلَا رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَلَا تَحْدِيدَ أَوْقَاتِهَا فَبَيَّنَهَا الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَمْرِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِذَلِكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١٦: ٤٤) ، فَهَذَا الْبَيَانُ بِإِرْشَادٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَاتِّبَاعُهُ لَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ وَلَا كَوْنَ الشَّارِعِ هُوَ اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.