ذلك منها»؟ قال: نعم. قال: «كما يغيب المِرْوَد (١) في المُكْحُلَة، والرِّشَاءُ (٢) في البئر؟» قال: نعم. قال:«فهل تدري ما الزنا؟» قال: نعم، أَتيت منها حراماً مثلما يأَتي الرجل من امرأَته حلالاً. قال:«فما تريد بهذا القول؟» قال: أَريد أَنْ تطهرّني، فأَمر به فرُجِمَ.
وفي «صحيح مسلم» عن بُرَيْدة قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إِذْ جاء ماعز بن مالك فقال: يا رسول الله إِني زنيت وإِنما (٣) أَريد أَنْ تطهرَّني. فقال له صلى الله عليه وسلم:«ارجع». فلما كان الغد، أَتاه أَيضاً فاعترف عنده بالزنا، فقال له:«ارجع». ثمّ عاد الثالثة فاعترف عنده بالزنا، ثم رجع الرابعة فاعترف. فأَمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فحُفِرَ له حفرةٌ فجُعِلَ فيها إِلى صدره، ثمّ أَمر الناس فرجموه. قال بُرَيْدة: كنا نتحدث ـ أَصحاب نبي الله ـ أَنْ ماعزاً لو جلس في رَحْله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإِنما رجمه بعد الرابعة.
وقال مالك والشافعي: يكفي في الإقرار مرَّة واحدة لما روى الشيخان من حديث أَبي هريرة وزَيْد بن خالدِ الجُهَنِيِّ: أَنْ رجلاً من الأعراب أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أَنْشُدُك الله إِلاَّ قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر ـ وهو أَفقه منه ـ: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قل». قال: إِنْ ابني هذا كان عَسِيفاً على هذا ـ أَي أَجيراً له ـ فزنى بامرأَته، وإِني أُخْبِرْت أَنْ على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاةٍ ووليدةٍ (٤) : فسأَلت أَهل العلم، فأَخبروني: أَنَّ على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأَن على امرأَة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده لأقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله، أَمّا الوليدة والغنم فردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عامٍ. واغْدُ يا أُنَيْس إِلى امرأَة هذا، فإِن اعترفت فارجمها». قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأَمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرُجِمَت.
(ووجه الدلالة أَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم)(٥) عَلَّق رجمها باعترافها، ولم يشترط الأربع. وروى مسلم عن بُرَيْدَة قال: أَتت امرأَة من غَامِدٍ من الأزْد فقالت: يا رسول الله طَهِّرْنِي. فقال:«وَيْحَكِ ارجعي فاستغفري الله وتُوبي». قالت: أَتريد أَنْ تَرُدَّنِي كما
(١) المِرْوَدُ: الميل من الزجاج أَو المعدن يُكْتَحَلُ به. المعجم الوسيط ص ٣٨١، مادة (رود). (٢) الرِّشاء: حبل الدَّلو، ونحوها. المعجم الوسيط ص ٣٤٨، مادة (رشا). (٣) عبارة المطبوع: إِنى تبت وأَنا أَريد … والمثبت من المخطوط وهو الصواب لموافقته لما في صحيح مسلم ٣/ ١٣٢٣ كتاب الحدود (٢٩) باب من اعترف على نفسه بالزنا (٥)، رقم (٢٣ - ١٦٩٥). (٤) الوليدة: الجارية والأَمَة وإن كانت كبيرة. النهاية ٥/ ٢٢٥. (٥) ما بين الحاصرتين زيادة من المخطوط.