٨ - أن الاستثناء واقع على معنى: لو شاء ربك أن لا يخلدهم لفعل، ولكن الذي يريده، ويشاؤه، ويحكم به تخليدهم (١) .
وقد أجاب ابن عطية (ت - ٥٤٦هـ) رحمه الله على من فهم من هذا الاستثناء أن جهنم تخرب، ويعدم أهلها بقوله:(هذا قول مختل، والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره، إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمى جهنم، وسمي الكل به تجوزاً)(٢) .
وقال أبو السعود (ت - ٩٥١هـ) رحمه الله عن الاستثناء في الآية: (استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى}[الدخان: ٥٦] ، وقوله:{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}[النساء: ٢٢] ، وقوله تعالى:{حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}[الأعراف: ٤٠] ، غير أن استحالة الأمور المذكورة معلومة بحكم العقل، واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل يعني أنهم مستقرون في النار في جميع الأزمنة إلا زمان مشيئة الله - تعالى - لعدم قرارهم فيها، إذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم)(٣) .
ومن الأدلة القرآنية على عدم فناء النار قول الحق - تبارك وتعالى -: {وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}[الإسراء: ٩٧] ، وهذه الآية تفيد بقاء أهل النار في النار أو أن النار باقية، لقوله:(كلما) التي تفيد التعميم والاستمرار، ومعنى (خبت) عند المفسرين وجهان:
(١) انظر: النكت والعيون للماوردي ٢/٥٠٤، معاني القرآن للنحاس ٣/٣٨١ - ٣٨٢. (٢) المحرر الوجيز ٩/٢٢٦. (٣) إرشاد العقل السليم ٤/٢٤٢، وانظر: الآثار من أقوال المفسرين حول هذه الآية في الدر المنثور للسيوطي ٣/٣٤٠ - ٣٥٠.