ومن الأدلة - أيضاً - قول الله - تبارك وتعالى -: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}[هود: ١٠٦ - ١٠٧] ، وهذه الآية هي التي أطال فيها المفسرون.
ويفسر ابن جرير (ت - ٣١٠هـ) رحمه الله ربط خلود أهل النار في النار بدوام السماوات والأرض بأنها للتأبيد (ذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت: هذا دوام السماوات والأرض، بمعنى أنه دائم أبداً.. فخاطبهم - جل ثناؤه - بما يتعارفون به بينهم)(٢) ، ويشهد لذلك قول زهير:(٣)
ألا لا أرى على الحوادث بواقيا ... ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا (٤)
وقيل: إنها سماوات الآخرة وأرضها لبقائها على الأبد (٥) ، ودليل ذلك قول الله عزّ وجل:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ}[إبراهيم: ٤٨] ، وقوله تعالى:{وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء}[الزمر: ٧٤] .
وأما الاستثناء في هذه الآية فقد توقف عنده المفسرون طويلاً (٦) ، وحاصل أقوالهم ما يلي:
(١) انظر: التفصيل فيها: النكت والعيون للماوردي ٢/١٦٩، زاد المسير لابن الجوزي ٤/١٦٠ - ١٦١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/٨٤، محاسن التأويل للقاسمي ٧/٢٤٩٨ - ٢٥٠٤. (٢) جامع البيان ٧/١١٤، وانظر: المحرر الوجيز ٩/٢٢٥. تفسير الرازي ١٨/٦٤. (٣) زهير بن أبي سلمى بن رباح بن قرط بن غطفان وقيل: من مزينة، يقال: إنه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، ت سنة ١٣ قبل الهجرة. انظر في ترجمته: طبقات فحول الشعراء للجمحي ١/٥١، الشعر والشعراء لابن قتيبة ص٢٣. (٤) ديوان زهير ص١٠٧. (٥) انظر: النكت والعيون للماوردي ٢/٥٠٤. (٦) ذكر الماوردي في النكت والعيون ٢/٥٠٤ ثمانية أقوال وهي ما سأذكرها هنا، وذكر ابن الجوزي في زاد المسير ٤/١٦٠ سبعة أقوال للمفسرين، وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٩/٩٩ أحد عشر قولاً.