وقد رُوي عن عمر أنَّه كتب إلى أبي موسى: أن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على
من أنكر (١). وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبيِّ بنِ كعب ولم
ينكراه (٢).
وقال قتادة: فصلُ الخطاب الذي أوتيه داود - عليه السلام -: هو أنَّ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر (٣).
قال ابنُ المنذر (٤): أجمع أهلُ العلم على أن البيِّنَةَ على المدعي، واليمين على المدعى عليه، قال: ومعنى قوله: «البيِّنة على المدَّعِي» يعني: يستحقُّ بها ما ادَّعى، لأنَّها واجبةٌ عليه يؤخذ بها، ومعنى قوله:«اليمين على المدَّعى عليه» أي: يبرأُ بها، لأنَّها واجبةٌ عليه، يؤخَذُ بها على كلِّ حالٍ. انتهى.
وقد اختلف الفقهاءُ من أصحابنا والشَّافعية في تفسير المدَّعي والمدَّعى عليه.
فمنهم من قال: المدَّعي: هو الذي يُخلَّى وسكوته من الخصمين، والمدَّعى عليه: من لا يُخلى وسكوته منهما.
ومنهم من قال: المدَّعِي: من يطلبُ أمراً خفيّاً على خلاف الأصل أو الظاهر، والمدَّعى عليها بخلافه (٥).
وبَنَوا على ذلك مسألةً، وهي: إذا أسلمَ الزَّوجانِ الكافران قبلَ الدُّخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معاً، فنكاحُنا باقٍ، وقالت الزوجةُ: بل سبَق أحدُنا إلى الإسلام، فالنِّكاح مُنفسخٌ، فإن قلنا: المدعي من يُخلى وسكوته، فالمرأةُ هي المدَّعي، فيكون القولُ قولَ الزوج، لأنه مدَّعى عليه؛ إذ لا يخلَّى وسكوته، وإن
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة ٤/ ٣٤٠، والدارقطني ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧، والبيهقي ١٠/ ١٥٠ و ٢٥٣. (٢) أخرجه: وكيع في " أخبار القضاة " ١/ ١٠٨، والبيهقي ١٠/ ١٣٦. (٣) أخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (٢٥٨٤)، والطبري في " تفسيره " (٢٢٩١١)، وطبعة التركي ٢٠/ ٥١، والبيهقي ١٠/ ٢٥٣، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٧/ ١٠١. وانظر: تفسير القرطبي ١٥/ ١٦٢، وعمدة التفسير لابن كثير ٣/ ١٤٦، والدر المنثور للسيوطي ٥/ ٥٦٤. (٤) في " الإجماع ": ٧٥. (٥) انظر: فتح الباري ٥/ ٣٤٨.