ولِهذَا قَالَ عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١)، يَعْنِي: يُصَلِّيها كما كَانَ يُصَلِّيهَا سَواءً بِسَواءٍ.
وقَولُهُ: «وَرَدَّهَا حَيْثُ شَاءَ»: يدُلُّ على أَنَّه سُبحَانَهُ هو المُتَصَرِّفُ في العِبَادِ، وأنَّ نُفُوسَ العِبَادِ وجَمِيعَ أُمُورِهِم كُلِّها بِيدِهِ سُبحَانَهُ وتَعَالَى، يَتَصَرَّفُ فيها كيف يَشَاءُ، ويُقَلِّبُ القُلُوبَ كيف يَشَاءُ، يَقبِضُ الأَروَاحُ حَيثُ يَشَاءُ، ويَرُدُّهَا حَيثُ يَشَاءُ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠].
وهَذَا قَولُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ قَاطِبَةً، أَهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ أَجمَعُوا على أنَّ مَشيئَةَ اللهِ ناَفِذَةٌ، وأنَّ جَمِيعَ أَعمَالِ العِبَادِ: مُسلِمِهِم وكَافِرِهِم، مَرِيضِهِم وصَحِيحِهِم، حَاكِمِهِم ومَحكُومِهِم، كُلِّها بِمَشيئَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وتَعَالَى، لا تَخرجُ عن مَشيئَةِ اللهِ، ولا يَكُونُ في مُلكِهِ ما لا يُرِيدُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا (٢٥٣)} [البقرة: ٢٥٣]، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ (١١٢)} [الأنعام: ١١٢]، {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)} [التكوير: ٢٨، ٢٩]، {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)} [الحج: ١٨]، {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)} [هود: ١٠٧] هَذِه إِرَادَةٌ بِمَعنَى المَشيئَةِ: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)} [هود: ١٠٧] هَذِه بِمَعنَى المَشِيئَةِ، {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: ١٢٥].
{فَمَنْ يُرِدِ}: مَنْ يَشَأ، وهَذِه يُقَالُ لها: الإِرَادَةُ الكَونيَّةُ القَدَرِيَّة، وهي بِمَعنَى المَشيئَةِ عند أَهْلِ السُّنَّةِ.
وهناك إِرَادَةٌ ثَانِيةٌ تُسَمَّى الإِرَادَةَ الشَّرعيَّة، تلك لا يَلزَمُ مُرَادهَا، قد يَقَعُ مُرادُهَا مِنْ العَبدِ، وقد لا يَقَعُ مُرَادُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعنَى الْمَحبَّةِ ومَعنَى الرِّضَا، كَقَولِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ
(١) رواه مسلم (٦٨٤).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.