قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ». أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ. قَالَ: ثُمَّ تَلَا (هَذِهِ) (١) الآيَةَ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: ٧٩] قَالَ: «وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم» (٢).
وَهذَا [الحَدِيثُ] يَدلُّ عَلَى عَظَمةِ خَشيَةِ الأَنْبِياءِ -عليهم السلام- لِربِّهِم، وَتَعظِيمِهم لَهُ وَخَوفِهِم مِنهُ سبحانه وتعالى، وهَكَذا خَوَاصُّ عِبَادهِ الأَخْيارِ، فَآدَمُ لَهُ ذَنبٌ وَاحِدٌ، ذَنبٌ وَاحِدٌ وَمَع ذلِكَ قَدْ تَابَ مِنهُ وَاصْطَفاهُ رَبُّهُ بَعدَهُ، وَمعَ هَذَا يَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم، وَيَذكُرُ خَطِيئَتَهُ؛ لِشدَّةِ مَا وَقعَ فِي نَفْسهِ مِنْ هذِهِ الخَطِيئَةِ، وَقدْ قَالَ اللهُ عز وجل: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)} [طه: ١٢١، ١٢٢] وَقالَ سُبْحانَهُ: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)} [البقرة: ٣٧].
مَع هذِهِ التَّوبَةِ وَمَع اجْتِباءِ اللهِ لَهُ، وَمَع كَونِ ذلِكَ ذَنبًا وَاحِدًا، يَذكُرُ خَطِيئَتَهُ لمَّا طَلبُوا مِنهُ الشَّفَاعةَ، فَكَيفَ بِحَالِ مَنْ جَمَعَ خَطَايَا كَثِيرةً عَظِيمَةً وَجَرائِمَ وَلمْ يَتُبْ؟! لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، نَسْألُ اللهَ السَّلَامةَ.
(١) ما بين القوسين زيادة من «عمدة القارئ» وغيره، وغير موجودة في «الفتح».(٢) ورواه مسلم (١٩٣).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute