الْقُرْآنَ فَيَتَقَذَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ - أَيْ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ - وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافُ قُرِيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهمْ فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهُ فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفنَاءِ دَارِهِ فَأَعْلَنَ بِالصَّلاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصَرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ مِنْ أَنْ يَرَّدَ إِلَيكَ ذِمَّتِكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهَنَا أَنْ نَخْفُرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاسْتِعْلانَ.
قَالَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تُرْجِعَ إِلَيَّ ذمَّتِي.
فَإِنِّي لا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبَ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيكَ جَوَارُكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
هَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ تَحَمُّلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مَثْوَانَا وَمَثْوَاهُ فَلَهُ مِنَ الْفَضْلِ وَالسَّابِقَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَلَقَدْ قَدَّمَهُ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ قَالَ فِي النُّونِيَّةِ مَا قَالَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - لأَبِي بَكْرٍ:
شِعْرًا: ... وَيَقُولُ فِي مَرَضِ الْوَفَاةِ يَؤُمُّكُمْ ... عَنِّي أَبُو بَكْرٍ بِلا رَوَغَانِ
وَيَظِلُّ يَمْنَعُ مِنْ إِمَامِةِ غَيْرِهِ ... حَتَّى يُرَى فِي صُورِةِ مَيَلانِ
ويَقُولُ لَوْ كُنْتُ الْخَلِيلَ لِوَاحِدٍ ... فِي النَّاسِ كَانَ هُوَ الْخَلِيلُ الدَّانِ
لَكِنَّهُ الأَخُ وَالرَّفِيقُ وَصَاحِبِي ... وَلَهُ عَلَيْنَا مِنْهُ الإِحْسَانِ
ويَقُولُ لِلصِّديق يَوْم الْغَارِ لا ... تَحْزَنْ فَنَحُنُ ثَلاثَةٌ لا اثْنَانِ
اللهُ ثَالِثُنَا وَتَلْكَ فَضِيلَةٌ ... مَا حَازَهَا إِلا فَتًى عُثْمَانِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.