= من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات، جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات، عددوا الوقائع، والصواب الذى عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرةً واحدةً بمكة بعد البعثة. ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تُفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسًا، ثم يقول: "أمضيت فريضتى، وخففت عن عبادي" ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا. قلت: وقد خرج علينا اليوم أحد هؤلاء الظاهرية، فاعتمد قولًا مرجوحًا أراد به جعل الإسراء منفصلًا انفصالًا كاملًا عن المعراج فهما على حد قوله: "معجزتان منفصلتان، ومتباعدتان زمانًا ومكانًا، وغاية ونهاية". ولأجل هذا طعن في حديث مسلم الذي بين أيدينا بطريقة لا دليل عليها ولا برهان، وأتى بأوابد لا يرضاها أهل العلم والإيمان في كتابه "السيرة النبوية دراسة نقدية المعراج والإسراء نموذجًا" تصنيف محمود إبراهيم الرضواني. قال في (ص ٧٥): بعد أن فرغنا من مناقشة الدليلين الأول والثاني للجمهور، وما قالوه عن فرضية الصلاة لم يبق إلا دليل واحد هو حديث حماد، عن ثابت، عن أنس، الذي أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، ونظرًا لقوة الحديث، وقبول العلماء له، وفي الوقت نفسه أجده يخالف بقية الصحيح من أحاديث المعراج، راجعت تراجم رجال حديث مسلم فاستوقفني شيء جليل الخطر في ترجمة حماد ابن سلمة، ثم نظرت في ترجمة راوٍ آخر مهم من أقران حماد، روى حديث المعراج من طريق ثابت عن أنس أيضًا، وهو سليمان بن المغيرة، وحاولت أن أُجَلِي حقيقة الأمر، فقمت بمقارنة حديث حماد وحديث سليمان مع ما صح من أحاديث المعراج فكانت النتيجة مذهلة! قلت: فها هو الدكتور يبين أولًا قوة الحديث وقبول العلماء له، ومع ذلك يناطح أئمة الدين بإسقاط حديث من صحيح مسلم، وليس له سلف من الأئمة المعتمد عليهم في التصحيح والتضعيف، وهذه جرأة بالغة، وطريقة سافرة للاعتراض على ما ثبت وقرِّر عند أئمة هذا الفن. ثانيًا: اعتمد في تضعيفه على قول بعض أهل العلم عن حماد بأنه يخطئ، أو ساء حفظه، وتركه البخاري "كذا قال". وأقول: هل من شرط الثقة أنه لا يخطئ بل مَنْ مِنَ الرواة لم يخطئ. كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه ... ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها فالذي يترك حديثه هو الذي كثر غلطه، ولم يتبين صدقه من كذبه، أما من كان الغالب على حديثه =