فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قيل. هدا النِّدَاءُ إِذَا رَأَوُا الْجَنَّةَ مِنْ بَعِيدٍ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: هَذَا النِّدَاءُ يَكُونُ فِي الجنة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تيأسوا أبدا، {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: ٤٣] هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

[قَوْلُهُ تَعَالَى وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ] قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا. . . .

[٤٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} [الأعراف: ٤٤] من الثواب، {حَقًّا} [الأعراف: ٤٤] أَيْ: صِدْقًا، {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ} [الأعراف: ٤٤] مِنَ الْعَذَابِ، {حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: ٤٤] قَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ حَيْثُ كَانَ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: ٤٤] أَيْ: نَادَى مُنَادٍ أَسْمَعَ الْفَرِيقَيْنِ، {أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: ٤٤] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ: (أن) خفيف، {لَعْنَةُ} [الأعراف: ٤٤] رَفْعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، (لَعْنَةَ اللَّهِ) نَصْبٌ عَلَى الظَّالِمِينَ، أَيِ: الكافرين.

[٤٥] {الَّذِينَ يَصُدُّونَ} [الأعراف: ٤٥] أَيْ: يَصْرِفُونَ النَّاسَ، {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأعراف: ٤٥] طاعة الله، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: ٤٥] أَيْ: يَطْلُبُونَهَا زَيْغًا وَمَيْلًا، أَيْ: يبطلون سَبِيلَ اللَّهِ جَائِرِينَ عَنِ الْقَصْدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَيُعَظِّمُونَ مَا لَمْ يُعْظِّمْهُ اللَّهُ. وَالْعِوَجُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الدِّينِ وَالْأَمْرِ وَالْأَرْضِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا، وَبِالْفَتْحِ فِي كُلِّ مَا كَانَ قَائِمًا كَالْحَائِطِ وَالرُّمْحِ وَنَحْوِهُمَا. {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: ٤٥]

[٤٦] {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} [الأعراف: ٤٦] يَعْنِي: بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقِيلَ. بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَبَيْنَ أَهْلِ النَّارِ حِجَابٌ، وَهُوَ السُّورُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} [الْحَدِيدِ: ١٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف: ٤٦] وَالْأَعْرَافُ هِيَ ذَلِكَ السُّورُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهِيَ جَمْعُ عُرْفٍ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، وَمِنْهُ عُرْفُ الدِّيكِ لِارْتِفَاعِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: سُمِّيَ ذَلِكَ السُّورُ أَعْرَافًا لِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَعْرِفُونَ النَّاسَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الرِّجَالِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْأَعْرَافِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ فَقَصَّرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ وَتَجَاوَزَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمْ عَنِ النَّارِ، فَوَقَفُوا هُنَاكَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ، ثم يدخلهما الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، وَهُمْ آخِرُ من يدخل الْجَنَّةَ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ: هُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْفَتْرَةِ وَلَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهُمْ. وَقِيلَ. هُمْ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ أَهْلُ الْفَضْلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَوْا عَلَى الْأَعْرَافِ فَيَطَّلِعُونَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ جَمِيعًا، وَيُطَالِعُونَ أَحْوَالَ الْفَرِيقَيْنِ. قَوْلُهُ تعالى: {يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: ٤٦] أَيْ: يَعْرِفُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِبَيَاضِ وُجُوهِهِمْ وَأَهْلَ النَّارِ بِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: ٤٦]

<<  <  ج: ص:  >  >>