فَمَا كَانَتْ تَزِيدُ - إِذَا رَأَتْ مُحَمَّدًا يَمُرُّ بِهَا - عَلَى أَنْ تَقُولَ فِي هُزْءٍ (١):
إِنَّ غُلَامَ بَنِي هَاشِمٍ يُكَلَّمُ مِنَ السَّمَاءِ وَيَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الْوَحْيِ مِنْهَا.
فَلَمَّا عَابَ النَّبِيُّ ﵊ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، وَذَكَرَ هَلَاكَ آبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا كُفَّارًا …
غَضِبُوا لِذَلِكَ أَشَدَّ الْغَضَبِ …
وَأَوْقَدُوا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ نِيرَانَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ.
فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَطَفِقَتْ تُرْهِقُهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ عُسْرًا (٢)، فَتَضْرِبُ أَجْسَادَهُمْ بِالسِّيَاطِ …
وَتَكْوِي أَبْدَانَهُمْ بِالنَّارِ …
وَتَطْرَحُهُمْ عَلَى الرِّمَالِ الْمُلْتَهِبَةِ فِي رَمْضَاءِ (٣) مَكَّةَ؛ لِتَرُدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.
وَالرَّسُولُ ﵊ يَرَى بِعَيْنَيْهِ مَا يَحِلُّ بِأَصْحَابِهِ؛ فَيَتَفَطَّرُ (٤) قَلْبُهُ أَسًى (٥) عَلَيْهِمْ وَلَوْعَةً (٦) عَلَى مَا يُعَانُونَ وَلَا يَمْلِكُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ:
(صَبْرًا صَبْرًا؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ).
عِنْدَ ذَلِكَ؛ أَذِنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ؛ فَارْتَحَلَتْ إِلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ …
مُخَلِّفِينَ وَرَاءَهُمُ الْأَهْلَ وَالْوَطَنَ …
(١) الهزء: السخرية.
(٢) ترهقهم من أمرهم عسرًا: تُكَلِّفُهُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا يُطِيقُونَ.
(٣) الرَمْضَاء: الرّمال الملتهبة بحرارة الشمس.
(٤) يتفطر: يتشقق.
(٥) الأسَى: الحزن.
(٦) لوعة: ما يجده الإنسان لولده وحميمه من الحرقة.