للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا لَيْلَةٌ قَطُّ أَشَدُّ ظُلْمَةٌ، وَلَا أَقْوَى رِيحًا مِنْهَا، فَأَصْوَاتُ رِيحِهَا مِثْلُ الصَّوَاعِقِ، وَشِدَّةُ ظَلَامِهَا تَجْعَلُ أَحَدَنَا مَا يَرَى إِصْبَعَهُ ....

فَأَخَذَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنَا مَكْشُوفَةٌ لِلْعَدُوِّ - وَمَا هِيَ بِمَكْشُوفَةٍ - فَمَا يَسْتَأْذِنُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَذِنَ لَهُ وَهُمْ يَتَسَلَّلُونَ حَتَّى بَقِينَا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

* * *

عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ النَّبِيُّ ، وَجَعَلَ يَمُرُّ بِنَا وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى أَتَى إِلَيَّ وَمَا عَلَيَّ شَيْءٍ يَقِينِي مِنَ الْبَرْدِ إِلَّا مِرْطٌ (١) لامْرَأَتِي مَا يُجَاوِزُ رُكْبَتَيَّ … فَاقْتَرَبَ مِنِّي وَأَنَا جَاثٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: (مَنْ هَذَا؟).

فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، قَالَ: (حُذَيْفَةُ؟) … فَتَقَاصَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَقُومَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ، وَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:

(إِنَّهُ كَائِنْ فِي الْقَوْمِ خَبَرٌ فَتَسَلَّلْ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَأَتِنِي بِخَبَرِهِمْ)

فَخَرَجْتُ وَأَنَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فَزَعًا وَأَكْثَرِهِمْ بَرْدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ).

فَوَاللَّهِ، مَا تَمَّتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ حَتَّى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنْ جَوْفِي كُلَّ مَا أَوْدَعَهُ فِيهِ مِنْ خَوْفٍ، وَأَزَالَ عَنْ جَسَدِي كُلَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ بَرْدٍ.

فَلَمَّا وَلَّيْتُ نَادَانِي وَقَالَ: (يَا حُذَيْفَةُ لَا تُحْدِثَنَّ (٢) فِي الْقَوْم شَيْئًا حَتَّى تَأْتِينِي)، فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَمَضَيْتُ أَتَسَلَّلُ فِي جُنْحِ الظَّلَامِ حَتَّى دَخَلْتُ فِي جُنْدِ الْمُشْرِكِينَ وَصِرْتُ كَأَنِّي وَاحِدٌ مِنْهُمْ.


(١) الْمِرْط: كل ثوب غير مَخيط من مئزرٍ ونحوه.
(٢) لا تحدثنَّ: لا تفعلنَّ.

<<  <  ج: ص:  >  >>