(مَنْ هَذَا؟)، فَقَالَ:
هَذَا أَخُوكَ وَابْنُ عَمِّكَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، فَارْضَ عَنْهُ أَيْ (١) رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:
(قَدْ فَعَلْتُ؛ وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا).
فَاسْتَطَارَ فُؤَادِي فَرَحًا بِرِضَى رَسُولِ اللَّهِ عَنِّي، وَقَبَّلْتُ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: (أَخِي لَعَمْرِي، تَقَدَّمْ فَضَارِبْ).
أَلْهَبَت كَلِمَاتُ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ حَمَاسَتِي، فَحَمَلْتُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَمْلَةً أَزَالَتْهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، وَحَمَلَ مَعِي الْمُسْلِمُونَ حَتَّى طَرَدْنَاهُمْ قَدْرَ فَرْسَخٍ (٢)، وَفَرَّقْنَاهُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ.
* * *
ظَلَّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ مُنْذُ "حُنَيْنٍ" يَنْعُمُ بِجَمِيلِ رِضَى النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَيَسْعَدُ بِكَرِيم صُحْبَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَلَمْ يُثَبِّتْ بَصَرَهُ فِي وَجْهِهِ حَيَاءً مِنْهُ، وَخَجَلًا مِنْ مَاضِيهِ مَعَهُ.
وَقَدْ جَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَعَضُّ بَنَانَ النَّدَمِ عَلَى الْأَيَّامِ السُّودِ الَّتِي قَضَاهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَحْجُوبًا عَنْ نُورِ اللَّهِ، مَحْرُومًا مِنْ كِتَابِهِ، فَأَكَبَّ عَلَى الْقُرْآنِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ يَتْلُو آيَاتِهِ، وَيَتَفَقَّهُ فِي أَحْكَامِهِ، وَيَتَمَلَّى مِنْ عِظَاتِهِ.
وَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ بِكُلِّ جَارِحَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ حَتَّى إِنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ رَآهُ ذَاتَ مَرَّةٍ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَقَالَ لعَائِشَةَ ﵂: (أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا يَا عَائِشَةُ؟!).
(١) أيْ: حرْف نداء مثل "يا".(٢) الْفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: ألف باع، والباع: أربعة أذرع.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute