إِنَّ اللَّهَ رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَدُلُّنَا عَلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُنَا بِهِ، وَيُعَرِّفُنَا الشَّرَّ وَيَنْهَانَا عَنْهُ.
وَوَعَدَنَا - إِنْ أَجَبْنَاهُ إِلَى مَا دَعَانَا إِلَيْهِ - أَنْ يُعْطِينَا اللَّهُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى بَدَّلَ اللَّهُ ضِيقَنَا سَعَةً، وَذِلَّتَنَا عِزَّةً، وَعَدَاوَاتِنَا إِخَاءً وَمَرْحَمَةً ....
وَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَأَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يُجَاوِرُنَا.
فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِنَا، وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ كُلَّهُ وَحَضُّ (١) عَلَيْهِ، وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ وَحَذَّرَ مِنْهُ …
وَهُوَ يَنْقُلُ مُعْتَنِقِيهِ (٢) مِنْ ظَلَامِ الْكُفْرِ وَجَوْرِهِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَعَدْلِهِ.
فَإِنْ أَجَبْتُمُونَا إِلَى الْإِسْلَامِ خَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَمْنَاكُمْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ تَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهِ، وَرَجَعْنَا عَنْكُمْ وَتَرَكْنَاكُمْ وَشَأْنَكُمْ …
فَإِنْ أَبَيْتُمُ الدُّخُولَ فِي دِينِ اللَّهِ أَخَذْنَا مِنْكُمُ الْجِزْيَةَ وَحَمَيْنَاكُمْ، فَإِنْ أَتَيْتُمْ إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ حَارَبْنَاكُمْ.
فَاسْتَشَاطَ (٣) "يَزْدَجُوْدُ" غَضَبًا وَغَيْظًا مِمَّا سَمِعَ، وَقَالَ:
إِنِّي لَا أَعْلَمُ أُمَّةً فِي الْأَرْضِ كَانَتْ أَشْقَى مِنْكُمْ وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا، وَلَا أَشَدَّ فُرْقَةً، وَلَا أَسْوَأَ حَالًا …
وَقَدْ كُنَّا نَكِلُ أَمْرَكُمْ إِلَى وَلَاةِ الضَّوَاحِي فَيَأْخُذُونَ لَنَا الطَّاعَةَ مِنْكُمْ …
ثُمَّ خَفَّفَ شَيْئًا مِنْ حِدَّتِهِ وَقَالَ:
(١) حض عَلَيْهِ: رغب فيه وحث عَلَيْهِ.
(٢) معتنقيه: الْمؤمنين به.
(٣) استشاط غضبًا: اشتعل غضبًا.