فَقُلْتُ: أَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي وَأَعَزُّ مِنْ أَنْ أُوَازِيَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ) (١).
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ ﵊ فَآتَى الْغُلَامَ الْهَاشِمِيَّ مِنَ الْحِكْمَةِ مَا فَاقَ بِهِ أَسَاطِينَ (٢) الْحُكَمَاءِ.
وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّكَ تَوَدُّ أَنْ تَقِفَ عَلَى صُورَةٍ مِن صُوَرِ حِكْمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ … فَإِلَيْكَ (٣) هَذَا الْمَوْقِفَ، فَفِيهِ بَعْضٌ مِمَّا تُرِيدُ:
* * *
لَمَّا اعْتَزَلَ (٤) بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَخَذَلُوهُ فِي نِزَاعِهِ مَعَ مُعَاوِيَةَ ﵄، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِعَلِيٍّ ﵁:
ائْذَنْ لِي، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ آتِيَ الْقَوْمَ وَأُكَلِّمَهُمْ.
فَقَالَ: إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ مِنْهُمْ.
فَقَالَ: كَلَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرَ قَوْمًا قَطُّ أَشَدَّ اجْتِهَادًا (٥) مِنْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ.
فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا بْنَ عَبَّاسٍ … مَا جَاءَ بِكَ؟!
فَقَالَ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُحَدِّثُوهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُلْ نَسْمَعْ مِنْكَ.
(١) ورد أصل هذا الخبر في الْبخاري، ومسلم، ومسند الْإمام أحمد بن حنبل.
(٢) أساطين الْحكماء: أكابر الْحكماء والْمتفردون منهم.
(٣) إليك: خُذْ.
(٤) اعتزل بعضُ أصحاب عَلِيّ: تخلوا عن عَلِيٍّ وتركوه.
(٥) اجتهادًا في العبادة: إكثارًا من الْعبادة وعكوفًا عَلَيْهَا.