فيكون قد أوفى بيمينه، وعلل الله هذا الترخيص بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ، ولا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ أنه أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
فتأمل هذا التعليل إنا وجدناه صابرا نعم العبد أنه أواب
ويؤخذ منه أن واقع المكلف معتبر في تنزيل الفتوى؛، فإن الله سبحانه رخص له وبين تعليل ذلك ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ أنه أَوَّابٌ﴾.
فأيوب ﵇ ما كانت نيته ومقاصده الهوى والتشهي وطلب الترخص والبحث عنه؛، بل كان صابرًا تقيًا نعم العبد فله حكمه (١).
والمفتي يأتي إليه أصناف الناس فمنهم المتساهل الباحث عن الهوى لا عن التعبد لله، ومنهم من قصده التعبد؛، لكنه في ورطة يريد فتوى تخرجه مخرجا شرعيًا، ومعرفة مقاصد المكلفين ودوافعهم ضرورية جدًّا للفتوى يدل عليها الحال وسياق الظروف.
وانظر إلى برامج الفتوى مثلا، فكم من سائل لا يريد الفتوى إنما يريد أن يوجهك إلى اتجاه معين، أو ذم، أو مدح اتجاه معين، أو يحملك على الفتوى التي ستفهم في سياقات الحدث الحالي، ولو كنت تكلمت كلامًا عامًا.
ويمكن للمفتي أن يعرض عن ذلك حين يفهم المقاصد والدوافع؛ بفهمه للحدث والسياقات وظروف الساعة التي دفعت المستفتي إلى الاستفتاء.
وهذا النوع من المعرفة يدخل في علم المقاصد وعلم القواعد الشرعية في قاعدة الأمور بمقاصدها وما يتخرج عليها من القواعد (٢).
(١) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (٢٦/ ٣٩٩) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٢١٣). (٢) الأشباه والنظائر للسيوطي: (ص ٩)، الأشباه والنظائر للسبكي (١/ ٦٠)، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر الموصلي (١/ ٥٩).