وصاحب "المجمع"، وشأنهم أن لا ينقل في كتبهم (١) الأقوال المردودة والرِّوايات الضَّعيفة، وهذه الطَّبقة أدنى طبقات المتفقِّهين.
وأمَّا الَّذين هم دون (٢) ذلك فإنَّهم كانوا ناقصين عامِّين، يلزمهم تقليد علماء عصرهم وفقهاء دهرهم، ولا يحلُّ لهم أن يُفتوا (٣) إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يضبطُه من أفواه العلماء، ويحفظُه من أقوال الفقهاء (٤).
ثمَّ إنَّ أصحابنا كثّرهم الله تعالى إلى يوم التَّناد، تفرَّقوا في القرى والبلاد، فمنهم أصحابنا المتقدِّمون في العراق كبغداد، وهو دار الخلافة ودار العلم والإرشاد، ومنهم مشايخ بَلْخ، ومشايخ خُرَاسان، ومشايخ سَمَرْقَنْد، ومشايخ بُخارى، ومنهم مشايخ وخلائق من بلاد (٥) أخرى، كالرَّيِّ وشِيْراز وأصْبَهان وسَاوه وطُوس وزِنْجان وهمذان واسترآباد وبسطام ومَرْغينان وفرغانة ودامغان، وغير ذلك من المدن الدَّاخلة في أقاليم ما وراء النَّهر وخراسان وأَذْرَبِيجان و مازندران وخُوَارْزم وغَزْنة وكَرْمان، إلى بلاد الهند وجميع ما وراء النَّهر، والله أعلم، وغير ذلك من مدائن عراق العرب وبلاد عراق العجم.
ونشرُوا عِلم أبي حنيفة إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، واستفاد النَّاس منهم على اختلاف طبقاتهم، فبلغ كثرةُ الفقهاء إلى حدٍّ لا يُحصى، وأماليهم وتصانيفهم غير قابلة للعدِّ والإحصاء، وكانوا يتفقَّهون ويجتهدون، ويَستفيدون ويُفيدون، ويجيبون