وعلى هذين النوعين كان مدار اجتهاد العلماء في الإلحاق، فإن لم يجدوا ذلك في النص أرجعوها إلى الأصول الكلية.
فالشيخ الفاني الذي يعجز عن الصوم البتة لا يشمله وصف المريض؛ لأن عذر المريض مؤقت، فأرجعوه إلى الأصول الكلية في عدم التكليف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة (٢٨٦)]، وهذا بإجماع.
والفقهاء ملاذهم الأصول الكلية في عموم الشريعة عند عدم النص الخاص؛ لأن كليات الشريعة تعتبر حاكمة على كافة أبوابها.
وألحقوا الحامل، والمرضع إن خشيتا على نفسيهما بالمريض في وجوب القضاء، والضرر (المرض) المتوقع هنا إما بالتجربة، أو قول الطب لا بمجرد الوهم.
ثم التقطوا من النصوص الكلية رخصًا لمن لحقت به مشقة بالغة في نفسه، أو ماله من العموم الكلي في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
ولما كان الباعث الحقيقي في الترخيص للمريض والمسافر هو دفع المشقة عنه، علق ذلك الحكم بمجرد السفر والمرض؛ لأنهما مظنة لحصول المشقة؛ ولأن التعليل بهما منضبط.
لكن إن وجدت المشقة الظاهرة الغالبة التي هي سر التكليف وحكمته وباعثه بدون هذين الوصفين فهل يترخص، أم لا؟
فمنهم العامل إن خشي الهلاك بالصوم والمقاتل إن خشي الضعف للقاء العدو أفطرا ولو في الحضر (١).
(١) فتح القدير للكمال ابن الهمام وتكملته ط الحلبي (٢/ ٣٥٠). حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي (٢/ ٤٢٢)