والمَسائلُ في هذا البابِ عن مالِكٍ وأصحابِه كثيرةُ الاضطِرابِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: إذا حضَرَ العَصبةُ الأقربُ والأبعَدُ ولم يَتشاحُّوا في العَقدِ فأيُّهم عقَدَ جازَ، وقالَ الشافعيُّ: لا يَصحُّ عقدُ الأبعدِ مع الأقربِ، ودَليلُنا أنهما عَصبةٌ لا تَملكُ الإجبارَ، فصحَّ أنْ يَعقدَ أحَدُهما مع الآخرِ كالمُتساويَينِ في القُربِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا زوَّجَ الأبعدُ مع حُضورِ الأقرَبِ اختَلفَ فيها قولُ مالكٍ، فمرَّةً قالَ: إنْ زوَّجَ الأبعدُ مع حُضورِ الأقربِ فالنكاحُ مَفسوخٌ، ومرَّةً قالَ: النكاحُ جائزٌ، ومرَّةً قالَ: للأقربِ أنْ يُجيزَ أو يَفسخَ.
وهذا الخِلافُ كلُّه عندَه فيما عدا الأبِ في ابنتِه البِكرِ والوَصيِّ في مَحجورتِه، فإنه لا يَختلفُ قولُه أنَّ النكاحَ في هذَينِ مَفسوخٌ، أعني: تَزويجَ غيرِ الأبِ البنتَ البكرَ مع حُضورِ الأبِ، أو غيرِ الوَصيِّ المَحجورةَ مع حُضورِ الوصيِّ.
وقالَ الشَّافعيُّ: لا يَعقدُ أحدٌ مع حُضورِ الأبِ، لا في بكرٍ ولا في ثيِّبٍ.
وسَببُ هذا الاختلافُ هو: هل التَّرتيبُ حُكمٌ شَرعيٌّ -أعني: ثابتًا بالشَّرعِ- في الولايةِ؟ أم ليسَ بحُكمٍ شَرعيٍّ؟ وإنْ كانَ حُكمًا فهل ذلكَ حَقٌّ
(١) «الاستذكار» (٥/ ٣٩٤). (٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٤) رقم (١١٤٠).