قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وإنْ خافَ الزِّنا، لكنْ يأتي أنَّه يُندَبُ الاستِدانةُ لهُ، قالَ في «البَحرِ»: فإنَّ اللهَ ضامِنٌ له الأداءَ، فلا يَخافُ الفقرَ إذا كانَ مِنْ نيَّتِه التَّحصينُ والتَّعففُ. اه، ومُقتضاهُ أنهُ يجبُ إذا خافَ الزِّنا وإنْ لم يَملكِ المَهرَ إذا قَدرَ على استِدانتِه، وهذا مُنافٍ للاشتِراطِ المَذكورِ، إلَّا أنْ يُقالَ: الشَّرطُ مِلكُ كلٍّ مِنْ المَهرِ والنَّفقةِ ولو بالاستدانةِ، أو يُقالَ: هذا في العاجزِ عن الكَسبِ ومَن ليسَ لهُ جِهةُ وَفاءٍ.
وقدَّمَ الشَّارحُ في أوَّلِ الحَجِّ أنهُ لو لم يَحُجَّ حتَّى أتلَفَ مالَه وَسِعَه أنْ يَستقرِضَ ويَحُجَّ ولو غيرَ قادرٍ على وفائِه، ويُرجَى أنْ لا يُؤاخِذَه اللهُ تعالَى بذلكَ؛ أي لو ناوِيًا وفاءَهُ لو قَدرَ كما قيَّدَه في الظَّهيريةِ. اه
وقدَّمْنا أنَّ المُرادَ عدمُ قُدرتِه على الوفاءِ في الحالِ مع غلَبةِ ظنِّه أنه لوِ اجتَهدَ قدَرَ، وإلَّا فالأفضلُ عدَمُه، ويَنبغي حَملُ ما ذكَرَ مِنْ نَدبِ الاستِدانةِ على ما ذكَرْنا مِنْ ظنِّه القُدرةَ على الوَفاءِ، وحينَئذٍ فإذا كانَتْ مَندوبةً عندَ أمْنِه مِنْ الوُقوعِ في الزِّنا يَنبغِي وُجوبُها عندَ تَيقُّنِ الزِّنا، بل يَنبغِي وُجوبُها حِينئذٍ وإنْ لم يَغلبْ على ظنِّه قُدرةُ الوفاءِ، تأمَّلْ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجبُ النِّكاحُ على مَنْ عندَه رَغبةٌ وخَشيَ على نَفسِه الزِّنا، وإنْ أدَّى إلى الإنفاقِ عليها مِنْ حَرامٍ، أو أدَّى إلى عَدمِ الإنفاقِ عليها، ويجبُ إعلامُها بذلكَ.
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٦، ٧)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ١٨٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٩٥)، و «العناية» (٤/ ٣١٤، ٣١٥).