الحَشَفةِ غيرُ مَأذونٍ فيه، وجبَ ضَمانُ الحَشَفةِ كامِلًا، وهو الدِّيةُ؛ لأنَّ الحَشَفةَ عُضوٌ مَقصورٌ، لا ثانيَ له في النَّفْسِ؛ فيُقدَّرُ بَدَلٌ ببَدَلِ النَّفْسِ، كَما في قَطعِ اللِّسانِ.
قالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: هذا مِنْ أعجَبِ المَسائِلِ؛ حَيثُ وجبَ الأكثَرُ بالبُرءِ، والأقَلُّ بالهَلاكِ (١).
وقالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنَفيُّ ﵀: « … قَطَعَ الحَجَّامُ لَحمًا مِنْ عَينِه، وكانَ غيرَ حاذِقٍ، فعَميَتْ، فعليه نِصفُ الدِّيةِ». اه (٢).
فَقولُهُ: «وَكانَ غيرَ حاذِقٍ»، المُرادُ أنَّه جاهِلٌ بتلك المُهِمَّةِ التي قامَ بفِعلِها، ثم بيَّنَ حُكمَه، وأنَّه يَجِبُ عليه ضَمانُ نِصفِ الدِّيةِ؛ لأنَّ العَينَ مِنْ الأعضاءِ المُثَنَّاةِ في جِسمِ الإنسانِ، تُضَمَنُ الدِّيةُ كامِلةً بتَلَفِ كِلتَا العَينَيْنِ، ونَصِفُها بتَلَفِ الواحِدةِ مِنهما، كَما هو الحالُ في مَسألَتِنا.
وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وفي القُنْيةِ: سُئِلَ مُحمَّدٌ نَجمُ الدِّينِ: عَنْ صَبيَّةٍ سقطَتْ مِنْ السَّطحِ، فانتَفَخَ رَأْسُها، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الجَرَّاحينَ: إنْ شَقَقتُم رَأْسَها تَموتُ، وقالَ واحِدٌ مِنهم: إنْ لَم تَشُقُّوه اليَومَ تَموتُ، وأنا أشُقُّه وأُبرِئُها، ثم ماتَتْ بعدَ يَومٍ أو يَومَيْنِ، هَلْ يَضمَنُ؟
فَتَأمَّلَ مَلِيئًّا ثم قالَ: لا يَضمَنُ إنْ كانَ الشَّقُّ بإذْنٍ، وكانَ مُعتادًا، ولَم
(١) «الهداية» (٣/ ٣٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٤٣)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٣٧)، و «ابن عابدين» (٦/ ٩٦)، و «فتح القدير» (٧/ ٢٠٦)، و «مجمع الضمانات» (١٤٦)، و «اللباب» (١/ ٤٨١)، و «الهندية» (٤/ ٤٩٩).(٢) «الأشباه والنظائر» (٢٩٠)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٦٧).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute