ورُويَ عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ ﵁ قالَ: شهِدتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ فَتحِ مَكةَ، فَأقامَ بِمَكةَ ثَمانِيَ عَشرَةَ لَيلَةً، لَا يُصلِّي إلَّا الرَّكعَتينِ، ثم قالَ لِأَهلِ مَكةَ: «صَلُّوا أربَعًا فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (١). والقياسُ بمُقابلةِ النَّصِّ والإِجماعِ باطِلٌ.
وأمَّا مدَّةُ الإِقامةِ المُعتبَرةِ، فأقَلُّها خَمسةَ عشَرَ يَومًا؛ لمَا رَوى ابنُ عَباسٍ وابنُ عمرَ ﵄ أنَّهما قالَا: «إذا دَخَلتَ بَلدَةً وأنتَ مُسافِرٌ وفي عَزمِكَ أَنْ تُقيمَ بها خَمسَةَ عشَرَ يَومًا، فأَكمِلِ الصَّلاةَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدرِي متى تَظعَنُ فاقصُر» (٢)، وهذا بابٌ لا يُوصَلُ إليه بالاجتِهادِ؛ لأنَّه مِنْ جُملةِ المَقاديرِ، ولا يُظنُّ بهما التَّكلُّمُ جُزافًا، فالظَّاهرُ أنَّهما قالاه سَماعًا مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ (٣).
وعندَ المالِكيةِ: لا بدَّ مِنْ النِّيةِ أيضًا، وأقَلُّ مدَّةِ الإِقامةِ عندَهم أربَعةُ أيَّامٍ صِحاحٍ، مع وُجوبِ عِشرينَ صَلاةً في مدَّةِ الإِقامةِ، فمَن دخَلَ قبلَ فَجرِ السَّبتِ مثَلًا ونَوى أن يُقيمَ إلى غُروبِ يَومِ الثُّلاثَاءِ ويَخرُجَ قبلَ العِشاءِ لم يَنقطِعْ حكمُ سَفرِه؛ لأنَّه -وإن كانَت الأيَّامُ الأربَعةُ صِحاحًا- لم يَجبْ عليه عِشرونَ صَلاةً، ومَن دخَلَ قبلَ عَصرِه، ولم يَكنْ صلَّى الظُّهرَ ونَوى الارتِحالَ بعدَ صُبحِ الخامِسِ، لم يَنقَطِع حكمُ سَفرِه؛ لأنَّه -وإن وجَبَ عليه
(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: تَقدَّمَ.(٢) ذكره الزَّيلَعيُّ في «نَصب الراية» (٢/ ١٨٣)، وقالَ: رواه الطحاوي.(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٢٣، ٣٢٤)، و «الاختيار» (١/ ٨٥).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.