للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هيَ واحِدةٌ، ورَدَّها عَليهِ»، وهذا الحَديثُ قدْ ثبَّتَهُ أحمدُ بنُ حَنبلَ وغَيرُه، وضعَّفَ أحمدُ وأبو عُبيدٍ وابنُ حَزمٍ وغَيرُهم ما رُويَ: «أنَّهُ طلَّقَها البتَةَ»، وقدِ استَحلَفَه: «ما أَردتَّ إلَّا واحِدةً؟»، فإنَّ رُواةَ هذا مُجاهِيلُ لا يُعرَفُ حِفظُهم وعدْلُهم، ورُواةُ الأوَّلِ مَعرُوفونَ بِذلكَ، ولَم يَنقلْ أحدٌ عنِ النَّبيِّ بإسنادٍ مَقبولٍ أنَّ أحدًا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ فأَلزمَه الثَّلاثَ، بلْ رُويَ في ذلكَ أحاديثُ كلُّها كذِبٌ باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ، ولكنْ جاءَ في أحاديثَ صَحيحةٍ: «إنَّ فُلانًا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا»، أي: ثَلاثًا مُتفرِّقةً، وجاءَ: «أنَّ المُلاعِنَ طلَّق ثَلاثًا»، وتلكَ امرأةٌ لا سَبيلَ لهُ إلى رَجعتِها، بل هيَ مُحرَّمةٌ عليهِ سواءٌ طلَّقَها أو لَم يُطلِّقْها، كما لو طلَّق المُسلِمُ امرأتَهُ إذا ارتدَّتْ ثَلاثًا، وكما لَو أَسلمَتِ امرأةُ اليَهوديِّ فطلَّقَها ثَلاثًا، أو أَسلمَ زَوجُ المُشرِكةِ فطلَّقَها ثَلاثًا، وإنَّما الطَّلاقُ الشَّرعيُّ أنْ يُطلِّقَ مَنْ يَملكُ أنْ يَرتَجعَها أو يَتزوَّجَها بعَقدٍ جَديدٍ، واللهُ أَعلَمُ (١).

وقالَ أيضًا : جَمعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ مُحرَّمُ عندَ جُمهُورِ السَّلفِ والخلَفِ، وهوَ مَذهبِ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ في آخِرِ الرِّوايتَينِ عنهُ، واختيارُ أكثرِ أصحابِهِ، ثمَّ هلْ يقَعُ عندَ هَؤلاءِ أو لا يَقعُ؟ أو تَقعُ واحدَةٌ؟ أو يُفرَّقُ بينَ المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها؟ فيهِ نِزاعٌ؟ والنِّزاعُ بيْنَ السَّلفِ إنَّما هوَ: هلْ تقَعُ واحدِةٌ أو ثلاثٌ؟ وأمَّا القَولُ بأنِّهُ لا يَقعُ شَيءٌ فإنَّما هوَ مَنقولٌ عَنْ بَعضِ أهلِ البدَعِ مِنْ أهلِ الكَلامِ والرَّافِضةِ.


(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٣، ٧٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>