للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لكي لا تغره الدنيا كما غرت غيره فيكون من الهالكين. قال : «هلك الأكثرون، إلا من قال في عباد الله هكذا وهكذا، وقليلٌ ما هم» (١). وجاء في حديثٍ آخر: «إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب» (٢).

وكان في الصحابة الأغنياء، وكانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، فتعطَّفوا بها على إخوانهم ونفقوها في سبيل الله، فأخذ الله بأيديهم؛ فسلموا من عثراتها، وبلغهم إلى مطلوبهم.

وبعضهم غرق في بحر الدنيا؛ لقلة عومه، فبعد أن كان عبدًا لله وهو من الصحابة الموافقين، أصبح وقد أبعده الله من نبيه وحبيبه وصحابته، وصار من جماعة المنافقين.

والدنيا كالبحر العميق، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فمن وسَّع الله عليه الدنيا، ورزقه الكرم والاتباع لخير الأمم، فقد أحسن الله إليه، وأسبغ عليه النعم، الذي جعل فيه صفة من صفاته، وخصصه بالاتباع لخير المخلوقات والأمم. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «أن السخي


(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٠٥٤٧)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٥٢٧)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٣٠٩ (٨٠٨٥)، والنسائي في «الكبرى» (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة وأبي ذر بألفاظ متقاربة.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٥٦٨٧)، وأحمد في «مسنده» ١/ ٣٨٧ (٣٦٧٢)، والبزار في «مسنده» (٢٠٢٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٥٢٤) من حديث عبد الله بن مسعود ، بلفظ: «إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب … ».
قال الدارقطني في «العلل» ٥/ ٢٦٩ بعد أن ذكر طرقه: الصحيح الموقوف.
وقال الألباني في «الصحيحة» (٢٧١٤): يظهر من هذا التخريج أن الأصح في إسناد الحديث أنه موقوف، لكن لا يخفى أنه في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي.
قلتُ: بل الأشبه أنَّه موقوف، استنبطه ابن مسعود من دلائل الكتاب والسنة على هذا المعنى، والله أعلم. (ت)

<<  <  ج: ص:  >  >>