للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فمن عرف قدر هذه العطايا والامتنان؛ اجتهد في الطاعة والإحسان، وفارق الذنوب والعصيان، لكن ليس كل قلب يصلح لمعرفته، ولا كل بدن يليق لخدمته.

يا من ترمد عينه ثلاثة أيام، فيسعى في علاجها، وترمد بصيرته أربعين سنة، فما (١) يعالجها، وما سبب ذلك إلا أنه ذاق لذة الدنيا، فيسرع في معالجة بصره، لكي لا يفوته النظر إلى مستحسناتها ومحرماتها، ولو ذاق طعم المعرفة ولذاتها وحلاوة النفوذ إلى الله تعالى لأسرع في معالجة بصيرته.

والقلوب على ثلاثة أقسام: قلب به رمد، ونسأل الله رب الأرض والسماء أن يسلمه من العمى؛ لأنه يخاف على من تمرَّد على الله تعالى بكثرة العصيان من ذهاب الإيمان، لما جاء في الحديث: «إنَّ المعاصي بريدُ الكفر» (٢). وقلب قد قضى عليه سيد الحكماء بالقطيعة والعمى وهو قلب الكافر، وآخر قد منَّ عليه المولى الكريم، وجاء إلى الله بقلبٍ سليم هداه للإيمان، وسلمه من الكفر والفسوق والعصيان، قال في حقه المولى الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)[الشعراء: ٨٨ - ٨٩].

فمن أحب الفوائد هجم على الشدائد، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن علم بقرب رحيله سعى في تحصيل الزاد؛ حياءً من الله تعالى، وخوفًا من مشقة الطريق، ومن الفضيحة يوم المعاد، ومثل الإيمان مع المؤمن العاصي كشمس مكسوفة منع نورها الكسوف، أو كسراج قد غُطِّي بصحفة، فإذا منَّ الله عليه بالعطاء زال هذا الغطاء، فلو عرف الإنسان قدر الإيمان لفارق العصيان، يا من إذا اطلع على خيانة وكيله عزله، وقد اطلعت على خيانة نفسك، فاجتهد في عزلها، وضيِّق عليها المسالك، إن أردت حسن الخاتمة والنجاة من الشدائد والمهالك.


(١) في (خ، ب): فلم.
(٢) ليس بحديثٍ، بل أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧٢٢٣) عن أبي حفص قال: المعاصي بريد الكفر، كما أن الحُمَّى بريد الموت.

<<  <  ج: ص:  >  >>