قلبي سينشق في دار الدنيا من طول غمي من كثرة التفريط. قالت: فأبكاني والله (١).
وعن أبي زياد قال: اعتمَّ يحيى بن أبي مسلم البَكَّاء بعمامة وأدارها على حلقه وجعل لها طرفين، فكان يبكي وينتحب حتى يبل هذا الطرف، ثم يبكي وينتحب حتى يبل الطرف الآخر، ثم يحلها من رأسه ويبكي حتى يبل العمامة بأسرها، ثم يبكي وينتحب حتى يبل أردانه (٢).
وعن سفيان قال: كان سعيد بن السائب الطائفي لا تكاد تجف له دمعة طول دهره، فعاتبه رجل على ذلك، فبكى ثم قال: إنما ينبغي أن تعذلني وتعاتبني على التقصير والتفريط؛ فإنهما قد استوليا عليَّ. فانصرف الرجل وتركه (٣).
وعن ابن ذكوان قال: كان يزيد الرقاشي إن دخل بيته بكى، وإن شهد جنازةً بكى، وإن جلس إليه (٤) إخوانه بكى وأبكاهم. فقال ابنه يومًا: يا أبت، إلى كم تبكي؟ والله لو كانت النار خلقت لك وحدك ما زدت على هذا البكاء. فقال: ثكلتك أمك يا بني، وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن؟ أما تقرأ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ [الرحمن: ٣١]، أما تقرأ يا بني: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥]. قال: فجعل يبكي ويقرأ حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٤]. قال: فجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أم الفتى: يا بني، ما أردت بهذا من أبيك؟ قال:
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٣٦)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٣٥. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٢٤)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٥٢٧). (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة والبكاء» (٢٤٢)، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢٤٢)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٥٩. (٤) في (ق): معه.