السلف الصالح رضوان الله عليهم، أو نضرب بهذا كله عرض الحائط ونأتي بمنطق وفلسفة مركَّبتين من عند هؤلاء ونبدأ نقرِّرهما ونعلِّمها.
فالمسألة مسألة مشارب، ومسألة تلقِّي، ومناهج في الأصل، فلا تخلو اليوم مدارس الناس ومنهاجهم كما ذكرت سالفًا من أحد ثلاثة مناهج، إما منهج يعتمد الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، أو منهج يعتمد الفلسفة وعلم الكلام، أو منهج يعتمد الباطنية إما في شكلها الرافضي أو في شكلها الصوفي، المدارس لا تخرج عن هذا.
فأي إنسان لا شك أنه يأتي فارغًا ويأتي ليتعلم وليملأ قلبه وعقله بعلوم، ولكن ما كل العلوم علوم، ولا كلها يوصل إلى الحق وإلى الهدى وإلى الصراط المستقيم، فأنت عندما تأتي لتتعلم، ولو كنت عالما لما جئت ولا ما حضرت، فتدرس هذه العلوم على هذا المنهج وعلى هذا الأساس، ولكن إن ذهبت إلى أماكن أخرى فإما أن تجد منهجًا فلسفيًّا؛ فأول ما تُعلَّم وتلقَّن مبادئ المنطق والفلسفة، أو تربَّى تربيةً صوفية تقوم على تقديس الأشخاص والأعيان، فأخرَجوا الناس من عبودية الأوثان إلى عبودية الإنسان وسخَّروه، سخَّروا أولئك المريدين لأهدافهم وأغراضهم، وغرسوا في نفوسهم تقديس أناس بأعيانهم وبأشخاصهم حتى شرعوا في دين الله تعالى ما لم يأذن به الله ﷿
فينبغي على الإنسان أن يتصور حجم الخلاف، فكما قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فأنت تسمع بأهل السنة وتسمع بالأشاعرة وتسمع بالمتصوفة، فلا بد أن تعرف أن الخلاف عميق وكبير بين هذه المناهج الثلاث، وأن الحقَّ أحقُّ أن يتبَّع، وصدق الله ﷿ إذ قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]
فهذا شيء من حقيقة الخلاف الذي يدور في هذه المسائل وفي غيرها، وستجد هذا -إن شاء الله-تطبيقًا عندما نأتي للحديث عن مسائل الصفات، وكيف أن هؤلاء أخرجوها عن الكتاب والسنة وقالوا فيها بقول لا أصل له في الكتاب أو السنة، وقرَّروا فيها أمورًا لا أساس لها من الدين كما هو معلوم.
فينبغي أن يعرف عظم الخلاف القائم بين أهل السنة والأشاعرة، وأن هذا الخلاف في الصلب والصميم، فإما أن ينتصر الإنسان لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ-ويعتمدهما أصلًا في دينه، ويرى فيهما أنهما هما الدين الذي يجب أن