بَعْدُ، لَوْ رَأَيْت الْكَتِيبَةَ الّتِي فِيهَا مُحَمّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْت الْحَدِيدَ وَالْخَيْلَ وَالرّجَالَ، وَمَا لَيْسَ لِأَحَدِ بِهِ طَاقَةٌ، قَالَ: أَظُنّ وَاَللهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ، وَمَنْ لَهُ بِهَؤُلَاءِ طَاقَةٌ؟ فَلَمّا طَلَعَتْ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَضْرَاءُ طَلَعَ سَوَادٌ وَغَبَرَةٌ مِنْ سَنَابِكِ الْخَيْلِ، وَجَعَلَ النّاسُ يَمُرّونَ، كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ:
مَا مَرّ مُحَمّدٌ! فَيَقُولُ الْعَبّاسُ: لَا حَتّى مَرّ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وهو يحدّثهما، فقال الْعَبّاسُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فِيهَا الرّايَاتُ وَالْأَلْوِيَةُ، مَعَ كُلّ بَطْنٍ مِنْ الْأَنْصَارِ رَايَةٌ وَلِوَاءٌ، فِي الْحَدِيدِ لَا يُرَى مِنْهُمْ إلّا الْحَدَقُ، وَلِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِيهَا زَجَلٌ- وَعَلَيْهِ الْحَدِيدُ- بِصَوْتِ عَالٍ وَهُوَ يُزْعِجُهَا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، مَنْ هَذَا المتكلّم؟ قال: عمر ابن الْخَطّابِ. قَالَ: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ بَنِي عَدِيّ بَعْدُ- وَاَللهِ- قِلّةٍ وَذِلّةٍ! فَقَالَ الْعَبّاسُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، إنّ اللهَ يَرْفَعُ مَنْ يَشَاءُ [ (١) ] بِمَا يَشَاءُ، وَإِنّ عُمَرَ مِمّنْ رَفَعَهُ الْإِسْلَامُ. وَيُقَالُ: كَانَ فِي الْكَتِيبَةِ أَلْفُ دَارِعٍ.
وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَايَتَهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَهُوَ أَمَامَ الْكَتِيبَةِ، فَلَمّا مَرّ سَعْدٌ بِرَايَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى: يَا أَبَا سُفْيَانَ! الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ! الْيَوْمَ تُسْتَحَلّ الْحُرْمَةُ! الْيَوْمَ أَذَلّ اللهُ قُرَيْشًا! فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتّى إذَا حَاذَى أَبَا سُفْيَانَ نَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُمِرْت بِقَتْلِ قَوْمِك؟ زَعَمَ سَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُ حِينَ مَرّ بِنَا قَالَ «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ! الْيَوْمَ تُسْتَحَلّ الْحُرْمَةُ! الْيَوْمَ أَذَلّ اللهُ قُرَيْشًا!» وَإِنّي أَنْشُدُك اللهَ فِي قَوْمِك، فَأَنْتَ أَبَرّ النّاسِ، وَأَرْحَمُ النّاسِ، وَأَوْصَلُ النّاسِ. قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بن
[ (١) ] فى الأصل: «ما يشاء» .
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute