فَعَفوٌ (١) أميرَ المؤمنين وحِسْبَةٌ … فما تَحْتَسِبْ من صالحٍ لك يُكْتَبِ
أساؤوا فإنْ تغفِرْ فإنَّك أهلُه … وأفضلُ حِلْمٍ حِسْبَةً حِلْمُ مُغْضَبِ
فقال له يزيدُ بنُ عبد الملك: أطَّتْ بكَ الرَّحِم، ولولا قَدْحُهم في المُلك لعفوتُ عنهم (٢).
دخل كُثَيِّر على عبد الملك، فقال له: أنشدني في الإخوان. فأنشده:
خيرُ إخوانِك المشاركُ في المُـ … ــــرِّ وأينَ الشريكُ في المُرِّ أَينا
الَّذي إنْ حَضَرْتَ سَرَّك في الحَـ … ـــيِّ وإنْ غِبْتَ كان أذْنًا وعَينَا
ذاك مثلُ الحُسام أَخْلَصَ القَيْـ … ـــــنُ جَلاءً فازدادَ حُسْنًا وزَينا
أنتَ في معشرٍ إذا غِبْتَ عَنهُمْ … بدَّلُوا كلَّ ما يَزِينُك شَينَا
وإذا ما رأَوْك قالوا جميعًا … أنتَ مِنْ أكرمِ الرِّجالِ علينا
فقال له عبد الملك: يغفرُ الله لك يا كُثَيِّر، فأينَ الإخوان؟ غير أني أقول:
صديقُك حين تستغني كَثِيرٌ … وما لَك عند فَقْرِكَ من صديقِ
فلا تُنكِرْ على أحدٍ إذا ما … طوى عنك الزيارةَ عند ضِيقِ
وكنتُ إذا الصَّدِيقُ أرادَ غَيظِي … على حَنَقٍ وأشْرَقَني بريقي
غَوْتُ ذنوبَه وصَفَحْتُ عنهُ … مخافةَ أنْ أكونَ بلا صديقِ (٣)
دخل كُثَيِّر على عبد الملك، فأنشده قصيدتَه التي يقول فيها:
على ابنِ أبي العاصي دِلاصٌ حَصِينةٌ … أجاد المُسَدِّي نَسْجَهما وأذَالها (٤)
فقال له عبد الملك: هلَّا قلتَ كما قال الأعشَى لابن معدي كَرِب:
وإذا تجيءُ كتيبةٌ ملمومةٌ … شهباءُ يخشى الذَّائدون نِهالها
(١) كذا في (خ)، و"أنساب الأشراف" ٧/ ٢٨٢، و"المنتظم" ٧/ ١٠٧. وفي "شرح الحماسة" للمرزوقي ٤/ ١٧٥٨، و"تاريخ دمشق" ٨/ ٤٠١ (مصورة دار البشير - ترجمة الضحاك بن رمل)؛ فعفوًا. وهو الأشبه.
(٢) الخبر بنحوه في المصادر السابقة. وقوله: أطَّتْ، أي: حَنَّتْ. نقله ابن الجوزي في "المنتظم" ٧/ ١٠٧ عن أبي بكر بن الأنباري.
(٣) تاريخ دمشق ٥٩/ ٢٩٩ (طبعة مجمع دمشق).
(٤) الدِّلاص: الدِّرْع الليّنة، والمُسَدِّي: الَّذي يُسَدِّي الدِّرع أي: ينسجها، وأذالها، أي: أطال ذَيلها.