لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَادَ إلَى الْحَجَرِ» وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ يَعُودُ إلَى الْحَجَرِ، لِأَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا كَانَ يُفْتَتَحُ بِالِاسْتِلَامِ فَكَذَا السَّعْيُ يُفْتَتَحُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ سَعْيٌ.
قَالَ (وَهَذَا الطَّوَافُ طَوَافُ الْقُدُومِ) وَيُسَمَّى طَوَافُ التَّحِيَّةِ (وَهُوَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: إنَّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَتَى الْبَيْتَ فَلْيُحَيِّهِ بِالطَّوَافِ» وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ، وَالْأَمْرُ
وَعَلَيْهِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ مِنْهُمَا رَكْعَتَانِ آخِرًا، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْأُسْبُوعَ الثَّانِيَ بَعْدَ أَنْ طَافَ مِنْهُ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ وَاشْتَغَلَ بِرَكْعَتَيْ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ لَأَخَلَّ بِالسُّنَّتَيْنِ بِتَفْرِيقِ الْأَشْوَاطِ فِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي. لِأَنَّ وَصْلَ الْأَشْوَاطِ سُنَّةٌ وَتَرَكَ رَكْعَتَيْ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ عَنْ مَوْضِعِهِمَا، فَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ وَاجِبَتَانِ.
وَفِعْلُهُمَا فِي مَوْضِعِهِمَا سُنَّةٌ، وَلَوْ مَضَى فِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي فَأَتَمَّهُ لَأَخَلَّ بِسُنَّةٍ وَاحِدَةٍ. فَكَانَ الْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْإِخْلَالِ بِهِمَا. كَذَا فِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ وَلَوْ طَافَ بِصَبِيٍّ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عَنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِدُعَاءِ آدَمَ ﵇ " اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي، وَتَعْلَمُ حَاجَتِي فَأَعْطِنِي سُؤْلِي. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك إيمَانًا يُبَاشِرُ قَلْبِي، وَيَقِينًا صَادِقًا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُصِيبُنِي إلَّا مَا كَتَبْت عَلَيَّ، وَرَضِّنِي بِمَا قَسَمْت لِي.
فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ إنِّي قَدْ غَفَرْت لَك، وَلَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِك يَدْعُو بِمِثْلِ مَا دَعَوْتَنِي بِهِ إلَّا غَفَرْت ذُنُوبَهُ، وَكَشَفْت هُمُومَهُ، وَنَزَعْت الْفَقْرَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ، وَأَنْجَزْت لَهُ كُلَّ نَاجِزٍ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُهَا (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَادَ إلَى الْحَجَرِ») تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، وَقَوْلُهُ وَالْأَصْلُ إلَخْ اسْتِنْبَاطُ أَمْرٍ كُلِّيٍّ مِنْ فِعْلِهِ هَذَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا فَيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَضَلَّعَ، وَيُفْرِغَ الْبَاقِيَ فِي الْبِئْرِ وَيَقُولَ " اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك رِزْقًا وَاسِعًا وَعِلْمًا نَافِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ " وَسَنَعْقِدُ لِلشُّرْبِ مِنْهَا فَصْلًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ الشُّرْبَ مِنْهَا عَقِيبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ نَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا فِيهِ مَقْنَعٌ، ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا، وَقِيلَ: يَلْتَزِمُ الْمُلْتَزَمَ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا ثُمَّ يَأْتِيَ زَمْزَمَ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْحَجَرِ، ذَكَرَهُ السُّرُوجِيُّ.
وَالْتِزَامُهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ وَيَضَعَ صَدْرَهُ وَبَطْنَهُ عَلَيْهِ وَخَدَّهُ الْأَيْمَنَ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ فَوْقَ رَأْسِهِ مَبْسُوطَتَيْنِ عَلَى الْجِدَارِ قَائِمَتَيْنِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ سُنَّةٌ) أَيْ لِلْآفَاقِيِّ لَا غَيْرُ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَتَى الْبَيْتَ فَلْيُحَيِّهِ») هَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ الْجَوَابُ بِأَنَّ هُنَاكَ قَرِينَةً تَصْرِفُ الْأَمْرَ عَنْ الْوُجُوبِ وَهُوَ نَفْسُ مَادَّةِ اشْتِقَاقِ هَذَا الْأَمْرِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِهَا التَّبَرُّعُ لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إكْرَامٍ يَبْدَأُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ كَلَفْظِ التَّطَوُّعِ، فَلَوْ قَالَ: تَطَوَّعْ أَفَادَ النَّدْبَ، فَكَذَا إذَا قَالَ: حَيِّهِ بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ لِأَنَّهُ وَقَعَ جَزَاءً لَا ابْتِدَاءً، فَلَفْظَةُ التَّحِيَّةِ فِيهِ مِنْ مَجَازِ الْمُشَاكَلَةِ مِثْلُ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute