[الشَّهَادَتَانِ] :
"أَوَّلُهَا" أَوْ أَوَّلُ هَذِهِ الْأَرْكَانِ "الرُّكْنُ الْأَسَاسُ الْأَعْظَمُ".
الرُّكْنُ فِي اللُّغَةِ: الْجَانِبُ الْأَقْوَى وَهُوَ بِحَسَبِ مَا يُطْلَقُ فِيهِ كَرُكْنِ الْبِنَاءِ وَرُكْنِ الْقَوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ, فَمِنَ الْأَرْكَانِ مَا لَا يَتِمُّ الْبِنَاءُ إِلَّا بِهِ وَمِنْهَا مَا لَا يَقُومُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَّا بِهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَذِهِ الْخَمْسَةِ الْأُمُورِ: أَرْكَانٌ وَدَعَائِمُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ... " فَشَبَّهَهُ بِالْبُنْيَانِ الْمُرَكَّبِ عَلَى خَمْسِ دَعَائِمَ, وَهَذَا الرُّكْنُ هُوَ أَصْلُ الْأَرْكَانِ الْبَاقِيَةِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا "الْأَسَاسُ" الَّذِي لَا يَقُومُ الْبِنَاءُ إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا بِهِ وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ "الْأَعْظَمُ" هَذِهِ الصِّيغَةُ مُشْعِرَةٌ بِتَعْظِيمِ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ وَإِنَّمَا هَذَا أَعْظَمُهَا؛ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ, وَلَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ إِلَّا بِهِ.
"وَهُوَ الصِّرَاطُ" الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ "الْمُسْتَقِيمُ" الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ, بَلْ هُوَ مُعْتَدِلٌ جَلِيٌّ نَيِّرٌ "الْأَقْوَمُ" أَيِ: الْأَعْدَلُ, مَنْ سَلَكَهُ أَوْصَلَهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ, وَمَنِ انْحَرَفَ عَنْهُ هَوَى فِي قَعْرِ الْجَحِيمِ, فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَذَلِكَ الرُّكْنُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ "رُكْنُ الشَّهَادَتَيْنِ" هَذَا مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ أَيِ: الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ الشَّهَادَتَانِ, وَهُمَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, فَلَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِهِمَا وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا بِمُنَاقَضَتِهِمَا إِمَّا بِجُحُودٍ لِمَا دَلَّتَا عَلَيْهِ أَوْ بِاسْتِكْبَارٍ عَمَّا اسْتَلْزَمَتَاهُ. وَلِهَذَا لَمْ يَدْعُ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى شَيْءٍ قَبْلَهُمَا وَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا دُونَهُمَا, فَبِالشَّهَادَةِ الْأُولَى يَعْرِفُ الْمَعْبُودَ وَمَا يَجِبُ لَهُ, وَبِالثَّانِيَةِ يَعْرِفُ كَيْفَ يَعْبُدُهُ وَبِأَيِّ طَرِيقٍ يَصِلُ إِلَيْهِ, وَكَيْفَ يُؤْمِنُ بِالْعِبَادَةِ أَحَدٌ قَبْلَ تَعْرِيفِهِ بِالْمَعْبُودِ, وَكَيْفَ يُؤَدِّيهَا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُعْبَدَ؟
فَفِي الشَّهَادَةِ الْأُولَى تَوْحِيدُ الْمَعْبُودِ الَّذِي مَا خَلَقَ الْخَلْقَ إِلَّا لِيَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَفِي الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ تَوْحِيدُ الطَّرِيقِ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.