= لكن محمد بن طارق - هو المكى - الثقة - يقول عنه البخارى في "تاريخه" [١/ ١١٩]: "محمد بن طارق المكى عن طاووس، روى عنه الثورى وابن عيينة مرسلًا ... " يعنى أنه لم يسمع من طاووس، ولم يتعرض لسماعه من أبى الزبير، وهو مستقيم على الجادة عندى، طالما محمد بن طارق غير مدلس؛ ولم يتكلم أحد في سماعه من أبى الزبير. وكأن سفيان الثورى قد سمع الحديث أولًا من محمد بن طارق عن أبى الزبير، ثم لقى أبا الزبير فسمعه منه، وأنا أستبعد أن يكون الثورى قد دلس (محمد بن طارق) في الإسناد الأول، فقلبى لا يطاوعنى على ذلك، وإن لم يصرح الثورى بسماعه عن أبى الزبير في جميع طرقه. وعلى كل حال: فسواء دلس فيه الثورى أم لم يدلس؛ فالحديث محفوظ عن أبى الزبير عن ابن عباس وعائشة به ... فلننظر في هذا الإسناد: قال الترمذى عقب روايته: "هذا حديث حسن صحيح" ثم أخرجه في "علله الكبير" [رقم ١٢٤]، وقال: "سألت محمدًا - يعنى به البخارى - عن هذا الحديث وقلت له: أبو الزبير سمع من عائشة وابن عباس؟ قال: أما ابن عباس فنعم؛ وإن في سماعه من عائشة نظرًا". قلتُ: جزم أبو حاتم الرازى بكون أبى الزبير لم يسمع من عائشة، كما نقله عنده ولده في "المراسيل" [ص ١٩٣]. أما سماعه من ابن عباس فقد قال ابن عيينة: "يقولون: أبو الزبير المكى لم يسمع من ابن عباس" وقال أبو حاتم: "أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية" كذا في "المراسيل" أيضًا، لكن يرد على هذا جزْمُ البخارى الماضى بكونه قد سمع من ابن عباس، وقد احتج مسلم بحديثه عنه في "صحيحه". فالإسناد على هذا متصل عن أبى الزبير عن ابن عباس وحده دون عائشة، لكن أعله ابن حزم وابن القطان الفاسى وابن القيم والمباركفورى والألبانى وغيرهم بعنعنة أبى الزبير المكى، وهذه علة مدفوعة البتة؛ وقد ثبت لدينا بالبرهان القوى، كون أبى الزبير لا يدلس عن أحد من أهل الأرض سوى جابر بن عبد الله وحده، كما بسطنا الكلام عليه في تعليقنا على الحديث الماضى [برقم ١٧٦٩]، وقد ذكرنا نصوص هؤلاء الماضين مع غيرهم؛ وتعقبناها خطوة خطوة، في كتابنا "غرس الأشجار". والحديث عندنا: حسن الإسناد مستقيم؛ نعم: قد يمكن للناقد أن يتكلم في دلالته المخالفة لما هو أصح منه؛ أما أن يتطرق إلى سنده بغمز أو لمز دون برهان سوى ما مضى، فهذا لا يجدى شيئًا كما شرحناه في المصدر المشار إليه. واللَّه المستعان.