وهذا شأن خَلف الرسل (١) وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدَّس اللَّه روحه يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها، وقد منع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دلَّه على الطريق المباح فقال:"بعْ الجمع (٢) بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا"(٣)، فمنعه من الطريق المحرَّم، وأرشده إلى الطريق المباح، ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في [جباية](٤) الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من ذلك، وأمر مَحْمِية بن جزء (٥)، وكان على الخمس أن يعطيهما [منه](٦) ما ينكحان به (٧)، فمنعهما من الطريق المحرم، وفتح لهما [باب](٦) الطريق المباح، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى، فإنه يسأله عبده الحاجة فيمنعه إياها (٨) ويعطيه ما هو أصلح [له](٦)، وأنفع منها (٩)، وهذا غاية الكرم والحكمة.
[ينبغي للمفتي أن ينبِّه السائل إلى الاحتراز عن الوهم]
الفائدة الخامسة: إذا أفتى المفتي للسائل بشيء ينبغي له أن ينبهه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم [منه](١٠) من خلاف الصواب، وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والإرشاد، [و](١٠) مثال هذا قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (١١): "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده"(١٢)، فتامل كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية رفعًا لتوهم إهدار دماء الكفار مطلقًا، وإن كانوا في عهدهم، فإنه لما قال:"لا يقتل مؤمن بكافر"، فربما ذهب [الوهم](١٠) إلى أن دماءهم هدر،
(١) في (ت) و (ك): "خلفاء الرسل". (٢) كذا في (ت): وفي سائر النسخ: "الجميع". (٣) سبق تخريجه. (٤) ما بين المعقوفتين سقط من (ت)، وفي (ك): "ولما سألهُ الفضل بن عباس وابن عمه" وفي هامشها: "هو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد اللَّه". (٥) في (ت): "محمية بن حرو"، وفي (ق): "محمد بن صرد" وفي النسخ المطبوعة: "جزو"!! والصواب أثبتناه. (٦) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ق) و (ك). (٧) أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الزكاة): باب ترك استعمال آل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الصدقة (٢/ ٧٥٢ - ٧٥٣/ ١٠٧٢) من حديث عبد المطلب بن ربيعة نفسه. (٨) كذا في (ق) وفي باقي الأصول: "إياه". (٩) في (ق): "أصلح أو أنفع منها". (١٠) ما بين المعقوفتين سقط من (ق). (١١) في المطبوع، و (ت): "قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-". (١٢) سبق تخريجه، وفي (ك): "يقبل"!! بدل "يقتل".