ثانيها: أصل "الشَّطْر": النِّصف، قال ابن دُرَيد في "الجمهرة": "النِّصفُ مِن كُلِّ شيء"(١).
وقال صاحب "المجمل": "شطرُ كلِّ شيءٍ: نِصْفُهُ"(٢).
قلتُ: في حديث "الإسراء" مَا يَدُلُّ على أَنَّ الشَّطر يكون الجزء، بقوله في الصلاة:"فوضَعَ شطْرَها -قال ذلكَ ثلاثًا-"(٣)، فلوْ كان الشَّطرُ بمعنى النِّصف كان قد سقط الكل في الثاني.
واختُلِفَ في معنى كونه "شطْر الإيمان" على أَوْجُهٍ (٥):
أحدُها: أنَّ مُنْتَهَى تَضعِيف ثَوَابه إلى نِصْفِ أَجْرِ الإيمان.
ثانيها: أنَّ الإيمان يَجُبُّ مَا قبلَهُ مِنَ الخطايا؛ فكذا الطهور، لكن صِحَّته مُتَوَقِّفةٌ على الإيمان، فصارَ نِصْفًا.
ثالِثُها: أنَّ المُرادَ بالإيمان: الصلاة، والطهور شَرْطٌ لِصِحَّتِها؛ فكانَ كالشَّطْر، وليسَ يلزَمُ في الشَّطر أَنْ يكونَ نِصْفًا حقيقيًّا، وهذا القول أقربها،
(١) "الجمهرة" لابن دريد (٢/ ٣٤١). (٢) "مجمل اللغة" لابن فارس اللغوي (٢/ ٥٠٣). (٣) رواه البخاري (١/ ٧٨ رقم ٣٤٩)، ومسلم (١/ ١٤٨ رقم ٢٦٣) عن أنس - رضي الله عنه -. (٤) هذه اللفظة رواها البخاري في صحيحه (٤/ ١٠٩ رقم ٣٢٠٧) والنسائي في "الصغرى" (١/ ٢١٧ رقم ٤٤٨)، و"الكبرى" (١/ ١٩٧ رقم ٣٠٩) مِن حديث طويل في قصة الإسراء رواه مالك بن صَعْصَعَةَ - رضي الله عنه -، وبهذا تعلم نزول المؤلف في عزوه للنسائي دون صاحب الصحيح. (٥) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (٢/ ٥ - ٦)، و"شرح النووي" (٣/ ١٠٢)، و"المفهم" (١/ ٤٧٤ - ٤٧٥) في ذِكر هذه الأوجه.