قلت يا رسول الله! ما أكرم هذه الأخلاق، لا يحل بوادٍ أنا فيه من كثرة نَعَمي، فقال:«كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْعَطِيَّةِ؟» قُلْتُ: أُعْطِي الْبَكْرَ (٣)، وَأُعْطِي النَّابَ (٤)، قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الْمَنِيحَةِ (٥)؟» قَالَ: إِنِّي لأَمْنَحُ النَّاقَةَ، قَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الطَّرُوقَةِ (٦)؟» قَالَ: يَغْدُو النَّاسُ بِحِبَالِهِمْ، وَلا يُوزَعُ (٧) رَجُلٌ مِنْ جَمَلٍ يَخْتَطِمُهُ (٨)، فَيُمْسِكُهُ مَا بَدَا لَهُ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَرُدَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَمَالُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ مَالُ مَوَالِيكَ؟» قَالَ: مَالِي، قَالَ:«فَإِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَسَائِرُهُ لِمَوَالِيكَ».
فقلت: لا جرم، لئت رجعت لأقلن عددها. فلما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني، خذوا عني؛ فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم مني، لا تنوحوا علي؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(١) الأصل: والكثرة، والتصحيح من مصادر الحديث الآتي ذكرها؛ ثقات ابن حبان وغيره. (٢) القانع: السائل، والمعتر: من يأتي للمعروف من غير أن يسأل. (٣) الشاب من الإبل. (٤) الناب: الناقة المسنة. (٥) المنيحة: قال في النهاية: ومنحة اللبن: أن يعطيه ناقة أو شاة، ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانًا ثم يردها (٤/ ٣٦٤). (٦) الطروقة: الناقة التي بلغت أن يضربها الفحل. (٧) ولا يوزع: أي لا يمنع. (٨) أي: يجعل على أنفه خطامًا، والخطام: ما يوضع على أنف الجمل من الزمام ليقاد به.