للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

مؤنثة، قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حامل على معنى أول النهار جاز له التذكير، والجمع غَدَوات، قاله الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (١). (فَخَفَّضَ فِيهِ، وَرَفَّعَ) قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هو بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان:

أحدهما: أن "خفّض" بمعنى حقّر، وقوله: "رفّع"؛ أي: عظّمه، وفخّمه، فمِن تحقيره وهوانه على اللَّه تعالى عَوَرُهُ، ومنه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هو أهون على اللَّه من ذلك"، وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه، وأنه يضمحل أمره، ويُقتل بعد ذلك هو وأتباعه، ومن تفخيمه، وتعظيم فتنبّه، والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة، وأنه ما من نبيّ إلا وقد أنذره قومه.

والوجه الثاني: أنه خفّض من صوته في حال الكثرة فيما تكلم فيه، فخفض بعد طول الكلام والتعب؛ ليستريح، ثم رفّع ليبلغ صوته كل أحد. انتهى (٢).

وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: بتخفيف الفاء؛ أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته؛ ليسمع من بَعُد، وتارة يخفض؛ ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر من الكلام. وقيل: معناه: فحقّره، وصغّره، كما قال: "هو أهون على اللَّه من ذلك"، وتارة عظّمه، كما قال: "ليس بين يدي الساعة خلق أكبر من الدجّال"، والأول أسبق إلى الفهم، وقد رُوي ذلك اللفظ: "فخفّض فيه ورفّع" مشدّد الفاء، وهي للتضعيف، والتكثير. انتهى (٣).

(حَتَّى ظَنَنَّاهُ)؛ أي: الدجّال، (فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ)؛ أي: في قطعة من النخل قريبة إلينا، يعني أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصفه بصفات كثيرة حتى ظننا أنه مختف في مكان قريب منا، (فَلَمَّا رُحْنَا) بضمّ الراء بوزن قُلنا؛ أي: رجعنا (إِلَيْهِ) -صلى اللَّه عليه وسلم- في الرواح؛ أي: في آخر النهار، (عَرَفَ) -صلى اللَّه عليه وسلم- (ذَلِكَ) الظنّ الهائل (فِينَا، فَقَالَ) -صلى اللَّه عليه وسلم- عند ذلك: ("مَا شَأْنكُمْ؟ " أي: ما حالكم؟ (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً)؛ أي: غداة من الغدوات، (فَخَفَّضْتَ فِيهِ، وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ)؛ أي: فهذا هو الذي أثّر في قلوبنا، وأزعجنا، كما ترى، (فَقَالَ) -صلى اللَّه عليه وسلم-: ("غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "أخوفني" بنون الوقاية عند


(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٣.
(٢) "شرح النوويّ" ١٨/ ٦٣.
(٣) "المفهم" ٢٣/ ١١٣.