بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بَعْدَ خروجه أن يقيم ويَدَعَ سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّرُه من قِبَلِ ظهره، فقال الله تعالى:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} ... الآية). وقال عطاء بن أبي رباح:(كان أهل يثربَ إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها، وَيَرَوْنَ أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}).
أي افعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه، وذروا بقايا الجاهلية وسفسافها، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} غدًا إذا وقفتم بين يديه سبحانه، لتنالوا الخلود في جناته ونعيمه الذي تطمحون إليه.
في هذه الآيات: مشروعية قتال المعتدين دون مجاوزة الحدود، والنهي عن القتال في المسجد الحرام إلا لمن قاتل فيه ابتداء، والأمر بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.
قال الربيع:({وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}: هذه أول (١) آية نزلت في القتال بالمدينة. فلما نزلت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتل من يقاتله، ويكف عمن كفّ عنه، حتى نزلت {بَرَاءَةٌ}).
وبعضهم يقول هي منسوخة بآية التوبة:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}.
قلت: ولا دليل على النسخ، فأمر الله بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما النهي هو في الاعتداء بقتل النساء والذراري ومن لم ينهض لقتال المسلمين. قال مجاهد: {وَقَاتِلُوا
(١) الراجح أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ... } الآية.