في هذه الآية: إخبارُ الله تعالى عن رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - التوجه إلى الكعبة في الصلاة وموافقة الله رغبته بذلك. وتهديد ووعيدٌ لمن جحد ذلك من أهل الكتاب أو استكبر عنه فأنكره بغيًا وحسدًا.
قال قتادة:(كان - صلى الله عليه وسلم - يقلّب وجهه في السماء، يحب أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرفه الله إليها). وفي رواية:(فكان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلّي نحو بيت المقدس، يَهوَى ويشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام، فوجَّهَهُ الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها ويشتهيها).
أخرج الترمذي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: [كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يوجّه إلى الكعبة فأنزل الله عز وجل:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها! {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل ثم خرج بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنَّه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة] (١).
قال ابن عباس: (كان أول ما نُسِخَ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} إلى قوله: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فارتابت من ذلك اليهود وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي
(١) حديث صحيح. ورواه ابن ماجه وأحمد. انظر الصحيح المسند من أسباب النزول. البقرة (١٤٤). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٦٣) -كتاب التفسير- عند هذه الآية.