ولقد كانَ لقيام الليل أثرٌ عظيم في صقل قلوب صحابة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وتهذيب نفوسهم وتواضعهم بين بعضهم، لذلكَ كان من أولِ وصايا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصحابه في دار الهجرةِ. فقد أخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن سلام قال:[أول ما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة انجفل الناس إليهِ فكنت ممن جاءه، فلما تأمَّلتُ وجهه واسْتَبَنْتُه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: أيها الناس: أفشو السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام](١).
وكذلكَ أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن بلال عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:[عليكم بقيامِ الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى اللَّه تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات](٢).
وفي صحيح الحاكم عن سهل بن سعد رضي اللَّهُ عَنهُ قال:[جاء جبريل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا محمد! عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، واعمل ما شئتَ فإنك مجزي به، وأحبب من شئتَ فإنكَ مفارقهُ، واعلم أن شرف المؤمن قيامُ الليل، وعزَّهُ استغناؤهُ عن الناس](٣).
وقوله:{يَحْذَرُ الْآخِرَةَ}. قال ابن عباس:(يحذر عقاب الآخرة {وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} يقول: ويرجو أن يرحمه اللَّه فيدخله الجنة).
وقال سعيد بن جبير:({يَحْذَرُ الْآخِرَةَ}: أي عذاب الآخرة). ورُوي عن الحسن:(أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو! فقال: هذا متمنّ).
قلت: وذلكَ التمادي هو الغرور المذكور في قوله سبحانه في سورة فاطر: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}[فاطر: ٥]. قال سعيد ابن جبير: (غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسانُ بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرةِ حتى يقول: يا ليتني قدمتُ لحياتي. قال:{وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} الغرور باللَّه أن يكونَ
(١) حديث صحيح. رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم. انظر: صحيح الترغيب (١/ ٦١٦). (٢) حديث صحيح. انظر سنن الترمذي (٣٥٤٩). و"مشكاة المصابيح" (١٢٢٧). (٣) حديث حسن. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، والطبراني في "الأوسط" (١/ ٦١/ ٢١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٥٣). وانظر: السلسلة الصحيحة (٨٣١).