فقد ذهب أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمد إلى ذلك، وكذلك استدلوا بالحديث:[لا يتوارث أهل ملتين](١) على أن المراد به الإِسلام والكفر. بدليل قوله عليه السلام:[لا يرث المسلم الكافر](٢)، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار.
وفي قوله تعالى:{مِنَ الْعِلْمِ}.
سُئل أحمد بن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، قيل: بم كفَّرته؟ فقال:(بآيات من كتاب الله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} والقرآن من علم الله. فمن زعم أنَّه مخلوق فقد كفر).
قال الرازي:(في الآية دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلًا. فمن هذا الوجه تدل على بطلان التقليد).
قال القاسمي:(وإنما أوثِر خطابه - صلى الله عليه وسلم - ليدخل دخولًا أوليًّا مَن اتبع أهواءهم بعد الإِسلام من المنافقين تمسكًا بولايتهم، طمعًا في نصرتهم).
وفي فتح البيان ما نصّه:(وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتنصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه - ترك الدهان لتاركي العمل بالكتاب والسنة، المؤْثرين لمحض الرأي عليهما).
وقوله:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}.
قال قتادة:(هؤلاء أصحاب نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - آمنوا بكتاب الله وصدقوا به).
وقيل: بل المراد علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، فأقرّوا بحكم التوراة وامتثلوا ما جاء بها من الأمر باتباع محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه. قال ابن زيد في الآية:(من كفر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من يهود، فأولئك هم الخاسرون). وهو اختيار ابن جرير.
(١) حديث صحيح. رواه الترمذي في السنن عن جابر، والنسائيُّ والحاكم عن أسامة. وانظر صحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٧٤٨٩). (٢) جزء من حديث في الصحيحين والسنن عن أسامة بلفظ: [لا يرث الكافرُ المسلم، ولا المسلم الكافر] ورواه أحمد أيضًا. انظر صحيح الجامع -حديث رقم- (٧٥٦٢).