قال ابن جرير: (وذلك أنَّه أعلم القوم أنَّه بصير بجميع أعمالهم، ليجدّوا في طاعته، إذ كان ذلك مذخورًا لهم عنده حتى يُثيبهم عليه، كما قال:{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}، وليحذروا معصيته، إذ كان مطّلعًا على راكبها، بعد تقدُّمه إليه فيها بالوعيد عليها، وما أوْعَدَ عليه ربُّنا جل ثناؤه فمنهي عنه، وما وَعَدَ عليه فمأمور به. أما قوله:{بَصِيرٌ}، فإنَّه "مُبْصر" صُرِفَ إلى {بَصِيرٌ}، كما صُرِفَ "مُبْدع" إلى "بديع" و"مؤلم" إلى "أليم").
في هذه الآيات: يخبر سبحانه وتعالى عن غرور اليهود والنصارى حين ادّعت كل طائفة منهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها فأكذبهم الله بغرورهم، كما أكذبهم حين قالوا:{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. . .}[المائدة: ١٨]، ثمَّ الفصل بينهم يوم القيامة.
والهود: جم هائد، وهو التائب الراجع إلى الحق. أو أن يكون مصدرًا عن الجميع، وقيل: المراد إلا من كان يهودًا. وهذا ما عناه القوم وحلّقوا فيه بأمانيهم. قال قتادة:({تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}: أماني يتمنَّونها على الله كاذبة).
وقال الربيع:(تمنوا على الله بغير الحق).
قال تعالى:{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}. قال قتادة:(هاتوا بَيِّنَتَكُمْ). وقال السدي:(هاتوا حُجَّتَكُم). وقوله:{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} يعني: في دعواكم.
قال الرازي:(دلت الآية على أن المدعي سواء ادّعى نفيًا أو إثباتًا، فلا بد له من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد).