في هذه الآية: ينهى الله سبحانه عباده المؤمنين عن كثرة سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأشياء قبل حدوثها، وعن تقليد اليهود الذين أكثروا السؤال لموسى عليه السلام تنطعًا وشعورًا بالترف وقلة المسؤولية.
قال القرطبي: ({أَمْ تُرِيدُونَ} هذه "أمْ" المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل تريدون، ومعنى الكلام التوبيخ).
يروي ابن جرير عن ابن عباس:(قال رافع بن حُرَيْملة ووهب بن زيد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ائتنا بكتاب تنزِّله علينا من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهارًا، نَتَّبِعكَ ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما:{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ}، الآية).
وعن قتادة قوله:{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} قال: (وكان موسى يُسأل، فقيل له:{أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}).
قال ابن كثير:(والمراد أن الله ذمّ من سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن شيء على وجه التعنّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا).
قلت: ولا شك أن الخطاب بهذه الآية يمتد إلى الكافرين ولا يقتصر على المؤمنين. ففي التنزيل:{يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}[النساء: ١٥٣]. وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ}[المائدة: ١٠١]. أي: إن تسألوا عنها بعد نزولها وحدوثها.