فيؤخذ صاحب الجريمة، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحيي أن نُعَيَّر به، فذلك حين يقول تعالى:{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، فقال لهم موسى عليه السلام:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}، قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرة. أتهزأ بنا! {قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}).
قال القرطبي:(في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد).
في هذه الآيات: وصف جدال بني إسرائيل موسى عليه السلام في شأن البقرة، وتعقيد أمرها حتى قابلهم الله تعالى بتعقيد أشد في شأنها.
قال ابن عباس:(لما قال لهم موسى: {قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}. قالوا له يتعنّتونه:{قَالوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}).
فلما تكلفوا جهلًا منهم ما تكلفوا، وكانوا أظهروا لموسى من سوء الظن به بقولهم {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} عاقبهم الله سبحانه بحصر نوع خاص من البقر ليذبحوا منه واحدة، وما زالوا يسألونه دقائق من التفصيل وهو يحصرها لهم ويزيدهم بذلك عناء.
فقال جل ذكره:{إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ}.
وقوله:{لَا فَارِضٌ} أي: لا مُسِنَّةٌ هرمة. من (فرضت البقرة تفرِضُ فُروضًا) إذا أسنَّتْ. فإلى أقوال المفسرين في ذلك: