قال القرطبي:(ذُكر أن ابنًا لمحمد بن سيرين بنى دارًا وأنفق فيها مالًا كثيرًا، فَذُكِرَ ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأسًا أن يبني الرجل بناء ينفعه. ثم ذكر القرطبي الحديث السابق، وقال: ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى لو أنه اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك، فكذلك البناء).
قلت: وأما حديث: [أما إن كلَّ بناءٍ وبالٌ على صاحبه، إلا ما لا، إلا ما لا، يعني: ما لا بد منه](١).
وحديث:[إنّ الرجل يؤجرُ في نفقته كلِّها إلا في هذا التراب](٢). فالمراد منهما صرف المسلم عن الاهتمام بالبناء والتشييد إلا ما له به حاجة. قال الألباني رحمه الله: (وإن مما لا شك فيه أن الحاجة تختلف باختلاف عائلة الباني قلة وكثرة، ومن يكون مضيافًا، ومن ليس كذلك، فهو من هذه الحيثية يلتقي تمامًا مع الحديث الصحيح:"فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان" رواه مسلم (٦/ ١٤٦) وغيره).
وقال الحافظ - في الحديث السابق -: (وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه، مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر).
أي: استكبر الملأ الكافر واستهزؤوا بنبوة صالح - صلى الله عليه وسلم -، فأثبت المؤمنون النبوة وإيمانهم بها، واتباعهم نبي الله صالحًا عليه الصلاة والسلام. وأظهر المتكبرون كفرهم. قال القاسمي:(وإنما لم يقولوا: إنا بما أرسل به كافرون، إظهارًا لمخالفتهم إياها، وردًّا لمقالتهم). فالمقصود بقولهم:{إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} - أنهم أربَوْا تقليد المؤمنين بقولهم:{إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} حذرًا مما يكون في ظاهره إثبات رسالة صالح - صلى الله عليه وسلم -، وهم يجحدونها. {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ
(١) حديث إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٢/ ٣٤٧)، وأبو يعلى (٧/ ٣٠٨/ ١٩٥٢) عن أنس مرفوعًا. (٢) سنده صحيح. أخرجه ابن حبان (٥/ ٩٩ - ١٠٠)، وأحمد (٥/ ١١٠) من حديث خبّاب. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢٨٣٠) - (٢٨٣١)، وتفصيل الروايات المختلفة.