في هذه الآيات: تذكير الله تعالى عباده أنه الخالق وحده لهم ولمن قبلهم، وأنه تعالى وحده ممهد الأرض ورافع السماوات ومنزل المطر ومخرج الثمار لعلهم يفردوه سبحانه بالتعظيم.
وعن ابن عباس قال:(قال الله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي وحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم). قال ابن مسعود. (يقول: خلقكم وخلق الذين من قبلكم).
قال ابن جرير:(والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله - بقوله في تأويل قوله:{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} وحِّدوه، أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه).
وفي مسند البزار عن عبد الله قال:(كل شيء نزل {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فهو بمكة. وكل شيء نزل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فهو بالمدينة). وهو مروي عن مجاهد وعلقمة. قال القرطبي:(وهذا يردّه أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}. وأما قولهما في {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فصحيح).
لقد وجّه الله سبحانه الخطاب إلى الناس جميعًا -بما فيهم الذين ذكرهم من قبل من المنافقين واليهود والمشركين- بأن يفردوه سبحانه بالتعظيم والخضوع والمحبة. وهذا هو مفهوم العبادة.
وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:[كنتُ رديفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمارٍ، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حقُّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله: أن لا يعذِّب من لا يشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أبشِّرُ الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا](١).
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٣/ ٣٠٠) في التوحيد، ومسلم (٣٠) في الإيمان.