للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفرس"، فأجابه الفاضل - وقد فطن لا في كلامه من البديع - فقال: "دام علَا العماد" (١). ومن أحسنه في الشعر قولُ الأرجاني:

مَوَدَّتُهُ تَدُومُ لِكُلِّ هَوْلٍ ... وَهَلْ كُلٌّ مَوَدَّتُهُ تَدُومُ (٢)

ومن أحسنه رسالة البديع الهمذاني المثبتة في مجموعة مراسلاته (٣).

"وتوشيح العبارة بألفاظ مستعارة" (٤)، غلَّب المؤلف جانبَ الحسن اللفظي هنا على الخصوصية المعنوية، فعد هذا في المحاسن اللفظية، جريًا على طريقة كثير من الأدباء وأهل البديع، وهي طريقة المتقدمين من الأدباء الذين دوّنوا أصولَ الأدب قبل أن يُميَّز علمُ البلاغة بالتدوين بعناية الشيخين عبد القاهر والسكاكي. وإلى هذا أشار الخطيبُ القزويني في قوله: "وبعضُهم يسمي العلومَ الثلاثة علمَ البديع" (٥). وقد لمح إلى الاستعارة ومثالها عزُّ الدين الموصلي (٦) في بديعيته بقوله:


(١) نقل المؤرخ ابن إياس في ترجمة العماد الأصفهاني (٥١٩ - ٥٩٩ هـ)، أن القاضي عبد الرحيم بن علي بن محمد اللخمي (٥٢٩ - ٥٩٦ هـ) - المعروف بالقاضي الفاضل - مر على العماد وهو راكب، فقال له: "دام عُلا العماد، فأجابه العمادُ على الفور: سِرْ فلا كبَا بك الفرس". ثم قال ابن إياس: "وهذا النوع يُقرأ طردًا وعكسًا، وهو عزيز الوقوع". ابن إياس الحنفي المصري، محمد بن أحمد: من بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، ١٩٦٠)، ج ١، ص ٢٥٦. ومعنى كلامه - وهو محل الشاهد - أن قول القاضي الفاضل: "دام عُلا العماد" يُقرأ من اليمين ومن اليسار بنفس النطق سواء بسواء، وكذلك قول العماد الأصفهاني: "سِرْ فلا كبَا بك الفرس".
(٢) البيت من قصيدة قالها الشاعر يعتذر ويمتدح ذا منصب. ديوان الأرجَّاني، نشرة بعناية قدري مايو (بيروت: دار الجيل، ١٤١٨/ ١٩٩٨)، ج ٢، ص ٢٦٣.
(٣) طبع مطبعة الجوائب بالأستانة صفحة ٣٨.
(٤) نشرة هارون، ج ١، ص ٦.
(٥) وتمام عبارته: "وكثير من الناس يسمي الجميع [يعني الفنون التي يُحترز بها عن الخطإ وعن التعقيد المعنوي ويعرف بها وجوه تحسين الكلام] علمَ البيان، وبعضهم يسمي الأول علم المعاني، والثاني علم البيان، والثلاثة علم البديع". الخطيب القزويني: الإيضاح في علوم البلاغة، ص ٢٢.
(٦) هو علي بن الحسين بن علي بن أبي بكر ابن محمد بن أبي الخير، عز الدين الموصلي، الفقيه الحنبلي، نزيل دمشق، توفي سنة ٧٨٩ هـ. له بديعية في مدح الرسول - عليه السلام - شرحها بشرح سماه: "التوصل بالبديع إلى التوسل بالشفيع".

<<  <  ج: ص:  >  >>